“عين الدود” لـ نصيف فلك سيرة عراقيّة عن فصول الجحيم

390

صلاح حسن/

الجحيم الذي عاشه ويعيشه العراقيّون منذ أربعين عاماً تصوّره «عين الدود» للروائي العراقي نصيف فلك مع جرعة إضافية من الرعب. إنّها «أنسكلوبيديا القسوة» التي ما تزال تطبق على بلاد الرافدين. ولا ندري كيف سيستطيع قراء «عين الدود» (منشورات الجمل) إكمال الرواية من دون أن يشعروا بالغضب على العالم كلّه.

فصل من الجحيم

الرواية تحكي فصلاً من فصول الجحيم، تلك التي عاشها العراقيّون خلال السنوات الأربعين المنصرمة. لن نتحدث عن وسائل التعذيب المبتكرة التي كانت تمارس بحقّ السجناء في أقبية الرعب البعثيّة ومخابئ «المجاهدين الانتحاريين» بعد الاحتلال. ولن نتحدث عن الشهور التي أمضاها كثيرون في عيادة الطبيب النفسي كي يتخلّصوا من بعض تلك الجراح النفسية وكوابيس الحرب والسجن والتعذيب. لكن الرواية أعادت تلك الكوابيس مع كمية إضافية من الرعب، لن يكون بإمكان أي شخص القدرة على تصوّرها. مع ذلك، تبعث الرواية على الضحك لأنّ المهزلة بلغت درجة سريالية.

عندما ألقوا القبض على صدام حسين، استعاد بعض العراقيين هذه الكوابيس. ولعلّه ليس هناك مِن وصف يضاهي إجرام الديكتاتور سوى كلمة «انسكلوبيديا القسوة». ويمكن استعارة «انسكلوبيديا القسوة» للتحدث عن هذه الرواية التي تصلح لأن تكون سيرة شخصية لكلّ عراقي. تتحدث الرواية عن الحرب العراقية الإيرانية وتمتد حتى اللحظة الراهنة، بما فيها فترة الاحتلال الأميركي، والحرب الأهلية والانتحاريون والسيارات المفخخة. مسلسل الرعب لم ينته ولن ينتهي قريباً.

المنافذ مغلقة
تبيد الحرب شباناً من كل الأعمار، فيضطر الآخرون للهرب إلى جهة العدو لأنّ المنافذ مغلقة بإحكام. هناك في إيران، يروَّعون ويعذَّبون بالطريقة نفسها التي كانوا يلاقونها في العراق. بطل الرواية، وهو الكاتب هنا، يروي فصلاً من حياته وحياة آخرين في السجون والمعسكرات التي خصّصت للهاربين من العراق، لكن إذا ماقيست هذه المعاناة بما سيحدث لهم بعد انتهاء الحرب والعودة إلى العراق، فستبدو لعب أطفال لأنّ الجحيم العراقي لا يمكن لأي انسكلوبيديا أن تصفه.

بعد انتهاء الحرب، يصدر الديكتاتور الميت عفواً عن الهاربين فيقرّر الهاربون العودة إلى العراق وهم يعرفون الجحيم الذي ينتظرهم، لكنهم يفكرون فقط بقبر في وطنهم. في الطريق من الحدود الإيرانية إلى الحدود العراقية، يصادف العائدون امرأة عجوزاً مع صبيّة في قعر الوادي، يرفض العراقيون إدخالهما لأنهما من التبعية، وترفض إيران عودتهما لأنهما وقّعتا على عدم العودة إلى إيران. ولأنّ العائدين لا يملكون الحق حتى في أنفسهم، فقد تركوا العجوز والصبية في ذلك العراء بانتظار الضواري. هذه ليست القصة. القصة تبدأ في السجن الأول بعد دخول العائدين إلى العراق. في كل يوم، يأتي الجلّادون إلى السجن ويأخذون معهم بعض السجناء الذين لن يعودوا بعد ذلك أبداً حتى يأتي دور السجين حنين مال الله الذي يختفي أيضاً ويطويه النسيان.

لحوم غريبة

بين وقت وآخر، يحصل السجناء على طعام، فيه نوع غريب من اللحوم يجعل الجميع يتساءلون عن طبيعته. ولم يعرفوا المصدر إلا عندما يرى أحد السجناء وشماً على قطعة لحم حصل عليها، فيبدأ بالصراخ: «تطافر الجميع تاركين قصعات الطعام، وأنا تركت نصف الصمونة المتبقي فوق البطانية وهرولت إلى التجمع المذهول. رأيت قطعة لحم تنتقل من يد إلى يد. لاحظت شحوب هلع صاعق وجحوظ العيون على كل من أمسك قطعة اللحم. كل من يعاينها، يرميها ويهرب جانباً يتقيأ وينوح حتى وصلتني قطعة اللحم وأنا لا أعرف ماذا فيها من مصيبة، فسألت مندهشاً: ما بها هذه اللحمة؟ كان بقربي حبيب عطا مناحي الذي كان نقيباً في الجيش عندما هرب إلى إيران. أجهش حبيب ببكاء ساخط وهو يهزّ رأسه ويقول لي: هذا زند حنين مال الله».

أكلوا لحوم بعضهم

لقد أكل السجناء لحم أصدقائهم الذين كانوا يختفون الواحد تلو الآخر، وحولوا البقية الباقية إلى أكلة لحوم البشر. هي عملية مقصودة أن يختار الجلاد أحد السجناء الذي يحمل وشماً على يده وزنده، لا يمكن للماء المغلي محوه. لقد تحول هؤلاء الرجال إلى وحوش ويمكننا أن نفعل بهم ما نشاء. يريد الجلاد أن يقول إن هؤلاء الخونة الذين هربوا من الحرب، هم أيضاً حيوانات مفترسة أكلوا لحم إخوتهم من أجل أن يقضي على آخر البقايا الإنسانية فيهم. تنتقل الرواية إلى الحرب الأخيرة بعد احتلال الأميركيين للعراق والحرب الطائفية التي أشعلها “المجاهدون” القادمون من خارج الحدود. ويكون بطل الرواية وبعض السجناء حاضرين بعدما أصبحوا أحراراً من سجن أبو غريب الرهيب. هنا، يبدأ لون آخر من الترويع والموت المستورد بأصناف لم تخطر في بال مخلوق. يروي أحد المخطوفين الناجين كيف كان الذباحون ـــــ وهم ممن يسمّون بالمجاهدين ـــــ يذبحون ضحاياهم. فالذبح ليس المهم هنا، بل التعذيب الذي يسبقه على يد الإسكافي الذي يدقّ المسامير في لحم ضحاياه كي ينتزع اعترافاتهم. في هذا المسلخ البشري، يرينا الكاتب نوعاً من المشاهد لم ترد في أية مخيلة بشرية. كتبت الرواية بتقنية بدت فيها كأنها روايتان: الأولى تدور في إيران والعراق، وتتداخل أحداث الرواية الثانية في نسيجها من دون خلل في الروايتين. وقد استخدم الكاتب لغة هائجة وقبيحة أحياناً في وصف ما جرى، وهي مقبولة قياساً بمضمون الرواية .