فيلم وثائقي عن الفوتوغرافي لطيف العاني.. هل يحصد “جمال العراق الخفي” جائزة الأوسكار؟

137

ز ياد جسام /

“جمال العراق الخفي” هو عنوان الفيلم الوثائقي عن المصور العراقي الراحل لطيف العاني، الذي عُرض للمرة الأولى قبل ايام في بغداد على صالة سينما المعهد الفرنسي، بحضور المخرجين والمنتجين يورغن بو أدس، وسهيم عمر خليفة، مع غالبية كوادر عمل الفيلم، بالإضافة الى نخبة من المثقفين والإعلاميين والمتخصصين.
تناول الفيلم مشاهد حقيقية لبطله عبد اللطيف العاني بأسلوب سينمائي ممتع، يعرض صور العراق الفوتوغرافية الجميلة أيام زمان ويقارنها بما آلت إليه هذه المواقع اليوم، التي كانت تشع بالنور والجمال.
هذا الفيلم أو (التحفة السينمائية) كما أطلق عليه بعض النقاد، جرى تصويره على مدى 5 سنوات، ليخرج بتسعين دقيقة مليئة بالمتعة والمعلومة دون أن يتسرب الملل الى المشاهد ولو للحظة واحدة.. فقد صور الفيلم بأحدث المعدات وبتكاليف عالية جداً. كما تجول طاقم الفيلم مع الراحل العاني في معظم محافظات العراق من الشمال الى الجنوب، ومن الشرق الى الغرب، لتوثيق بعض الأمكنة التي كان العاني قد صورها قبل نصف قرن وربما أكثر، فضلاً عن الوجوه التي صادفها في مسيرته المهنية التي امتدت لأكثر من ستين عاماً.
ظهر العاني في الفيلم بعمر السادسة والثمانين، يجوب بلده بحثاً عن شخصيات وأماكن كان قد صورها خلال حياته المهنية، وهو يشارك المشاهد أو المتلقي صوراً من يوميات عراقية تغيرت، لكنها ماتزال جزءاً من الذاكرة العراقية، وأخذ يقارن بين الصور والواقع الذي بدا في بعض الأحيان محزناً كثيراً، كما هو الحال في مدينة الموصل الجميلة وما آلت إليه بعد الحرب. يعد هذا الفيلم شهادة عاطفية لواحد من أهم مؤرشفي العراق، وتكريماً لمصور استثنائي أرّخ للعراق ومدنه بالتصوير الفوتوغرافي والمشاهد التي عرضها الفيلم على الجمهور وخلقت الكثير من العاطفة والحنين لمدن العراق الجميلة وحياة أناسه الاجتماعية، حين أخذ العاني يقارن بين الصور القديمة لنفس الأماكن وما آلت إليه من مشاهد صادمة.
الجميل واللافت في هذا الفيلم هو أن لطيف العاني بدا عفوياً جداً وهو يسير مع المخرج ويتحدث بأريحية وبساطة، بل وأبقى المخرج استخدامه لبعض المصطلحات العفوية التي جعلت الجمهور يضحك في بعض الأحيان، كما في أحد المشاهد في الأهوار حين يسأله مواطن من أهالي الأهوار “كيف الأحوال في بغداد” ليجيبه العاني: “مليوصة”، كما كان هناك جانب محزن في نهاية الفيلم حين نعلم أن بطله العاني قد توفي، وقد استغل المخرج لحظة وفاة العاني لتكون آخر لقطة حقيقية في فيلمه.
توثيق حقيقي
لا شك في أن الفوتوغرافي لطيف العاني واحد من الفوتوغرافيين العراقيين الذين أسهموا في أرشفة مناطق العراق من الخمسينيات إلى السبعينيات، إذ تمثل صوره نظرة عميقة إلى البلاد، معظمها غير معروفة للغربيين وحتى للعراقيين أنفسهم.. علماً بأن العاني توقف عن التصوير والتوثيق عندما تولى صدام السلطة. وفي عام 2015 حصل على جائزة الأمير كلاوس المرموقة، التي تمنحها العائلة المالكة الهولندية سنوياً للمبدعين، وقد منح هذا التكريم لطيف العاني ثقة كبيرة ورغبة في إعادة الاتصال بعمله وبلده والسفر حول العالم، كما فعل منذ سنوات عديدة، وقد عاد فعلاً بعد سنوات من سقوط النظام، لكنه لم يجد ما يوثقه، إذ قال في أكثر من مناسبه إنه تعود أن يصور الجمال فقط!
بعد انتهاء الفيلم تحدث المخرج يورغن بوأدس عن فيلمه هذا وعن لطيف العاني قائلاً: “تعرفت الى الفوتوغرافي الكبير لطيف العاني في تسعينيات القرن المنصرم أثناء إقامته معرضه الشخصي الفوتوغرافي في باريس، حينها تحدث لي عن تجربته الطويلة في الفوتوغراف، وهنا اقترحت عليه إخراج فيلم وثائقي يوثق تجربته الطويلة في هذا المجال.” وأضاف أن “الفيلم استغرق منه ومن المخرج العراقي سهيم عمر أكثر من أربعة أعوام بين العراق وباريس، والسبب في تأخير الفيلم كل هذه المدة الطويلة هو أن الوضع الصحي للفنان لطيف العاني بدأ يتدهور شيئاً فشيئاً، حتى أننا في نهاية الفيلم كنا نجاهد لإشراكه فيه قبل أن يرحل.”
في نهاية الفيلم صفق الجمهور الحاضر بشكل لافت، فقد كان الفيلم جميلاً وممتعاً للغاية، ومن المؤكد سوف تنتظره مهرجانات وعروض سينمائية عديدة، ومن المؤمل أن يشارك هذا الفيلم في منافسات الأوسكار، كما ذكر بعض القائمين عليه، والجميع ينتظر هذه اللحظة بشوق، ويتساءل: ترى هل سيحصد فيلم “جمال العراق الخفي” إحدى جوائز الأوسكار؟
معرض صور
بعد الانتهاء من الفيلم والجلسة الحوارية التي دارت بين الجمهور والمخرجين، جرى افتتاح معرض صور استثنائي لأعمال لطيف العاني، الذي ضم صوراً من يوميات عراقية تغيرت، لكنها لاتزال جزءاً من الذاكرة العراقية ومن لطيف العاني الذي بدأ حياته مصوراً واشتهر عالمياً، بل إنه يعد رائداً من رواد التصوير في العراق والشرق الأوسط.
يعتبر لطيف العاني من المصورين القلائل الذين وثقوا التاريخ العراقي في فترتي الخمسينيات والستينيات. وقد تعرض أرشيفه، الذي كان محفوظاً في وزارة الثقافة العراقية، بعد الحرب الأمريكية على العراق في 2003 الى النهب والسرقة والتدمير، فضاعت آلاف الصور وأفلام (النيجاتيف) لأماكن تاريخية ومدن وصور من الحياة اليومية للإنسان العراقي. ما بقي اليوم هو جزء بسيط من الأرشيف، منه ما احتفظ به المصور في منزله، ومنه ما هو محفوظ في بعض المكتبات ومراكز الأبحاث العراقية.
أولى خطواته
ولد لطيف العاني في كربلاء عام 1932، توفي والده عندما كان صغير السن. كانت بداياته مع التصوير الفوتوغرافي عندما كان يساعد شقيقه الذي كان يمتلك محلاً في شارع المتنبي ببغداد، وهناك تعلم المبادئ الأساسية للتصوير من صاحب محل تصوير اسمه (نيسان)، وفي عام 1947 اشترى له شقيقه أوّل كاميرا من نوع “كوداك”. وكانت أولى خطواته مع التصوير المحترف حين عمل في مجلة “أهل النفط” عام 1954 ولغاية عام 1960، وكانت جزءاً من وحدة التصوير الفوتوغرافي في شركة نفط العراق، وكان العاني مكلفاً بالتقاط صور لمظاهر الحداثة والتحوّل الصناعي في البلاد، ما جعله يجوب أنحاءها. وقد خصصت له الشركة مروحية ليكون أول مصور يلتقط من الجو صوراً للمواقع الأثرية في بغداد. وكانت أعماله تعرض في أميركا وأوروبا وفي أنحاء الشرق الأوسط منذ ستينيات القرن الماضي التي شهدت تصارع القوى المتنافسة على السلطة في العراق.