في الذكرى الثامنة عشرة على رحيله ياسين المحمداوي.. الفنان المتوغل في أعماق الحضارة

80

زياد جسام /

ثمانية عشر عاماً مرت على رحيل الفنان التشكيلي العراقي ياسين المحمداوي، ومازال في ذاكرتنا شخصه وإرثه الفني الكبير الذي تركه، إذ يمثل هذا الإرث جزءاً مهماً من تاريخ العراق الإبداعي ولا يقل أهمية عن ذلك الإرث الذي تركه لنا رواد الفن العراقي.
توغل الفنان الراحل المحمداوي في أعماق تاريخ العراق الغني بالفن والإبداع، وقام بابتكار أسلوبه الخاص باقتباسه أبجديات الحضارات البابلية والآشورية والسومرية وجزءاً من التراث العراقي الحديث، ودمجها بأسلوبه الفني المبتكر، وبطريقة لا يجرؤ على فعلها سوى فنان خبير متمرس، كان يبهر المتلقي كلما ينتج عملاً جديداً بتدفق صور لا متناهية تزخر بالألوان تقول ما يصعب الإفصاح عنه، وتحمل بين ثناياها دلالات تسهل على المتلقي ترجمتها من خلال الإحساس باللوحة ورهافة الخطوط التعبيرية التي تدخل في تفاصيل الحياة وهيام الروح.
نحتٌ بارز
استنبط المحمداوي لوحاته من حضارة وادي الرافدين الغنية برموز لا حصر لها، ولاسيما أن تجربته الفنية، ذات الطابع التعبيري، هي أقرب إلى الفن السومري الذي امتاز بتلك (الريليفات) والتقريب إلى شكل وخواص الإنسان في بناء مُثل عليا لكل شيء.
الخاصية العامة للنحت البارز عنده هي أن الشخصيات والرموز التي عبَّر عنها كانت مصاغة بشكل متراص، محاولة منه لملء الفراغات وإعطاء العمل قيمة ذات دلالات فنية وفكرية.
لوحاته توحي بأنها مزيج من الطين والمواد الكيميائية، إلى جانب الألوان التي يشتغلها بتوليفات تشكيلية خاصة، أشبه بالمنحوتات الأثرية. عمل الفنان الراحل على تقنية البناء والتشكيل الطيني، أو ما يعرف بالنحت البارز، إذ عمد إلى تشكيل شخوصه بطريقة نحتية، ومن ثم تعتيقها في مراحل متعددة. اعتمد في ذلك على تقنيات كيميائية كرشِّها بمواد خاصة ودفنها تحت الأرض لأيام، ليعالجها بعد ذلك بالملح والمواد الطبيعية الأخرى، حتى أنه في بعض الأحيان يقوم بحرقها وتلوينها بإضافة ألوان يصنعها بنفسه من مواد طبيعية كالطين والطحالب والقهوة والملح والعشب، وكأنه بذلك أراد ربط العمل الفني بالأرض، وجعله في حوار دائم معها.
رموزٌ متعددة
كما أنه عمد في بعض الأحيان الى محاكاة الطفولة وبراءتها من حيث الأفكار البدائية البسيطة التي تميز بها منذ بداياته، إذ أدرك منذ اللحظة الأولى لدخوله الساحة الفنية أن عليه أن يقدم مواضيعه الفكرية من الحياة بأسلوب فني بسيط غير معقد، باللون أو بطريقة أشبه بالنحت في تكويناته التشكيلية، في كلتا الحالتين لا تخلو لوحاته من التشخيص الواضح الذي يصل به إلى منتهى التعبير الفكري، وهذا ما جعله فناناً جماهيرياً يتفاعل مع نتاجاته أغلب الناس. جدير بالذكر أن المحمداوي من الفنانين المنتجين بغزارة، فقد اتسعت أصداء أعماله وانتشرت بسرعة في الأوساط العربية والعالمية، كما أن شخصياته تبرهن على قيمتها من خلال حيويتها، بالرغم من أننا نراها مثقلة بهموم الزمن، هذه الشخصيات، التي لونها بألـوان كئيبة أحياناً، لا تخلومن بريق آمالها وأحلامها الخفـي، لذا يشعر المتلقـي عند نظرته الأولى أن لوحات المحمداوي تنبض بإرث عميق وثمين، ومن خلال تجربته ندرك تماماً أن الفن الأصيل يأخذ حيزاً من دون أن يجهد الفنان نفسه بذلك، إذ كان المحمداوي بعيداً عن الإعلام ولا يبحث عن الأضواء، لكنه نال النجومية وأصبح من الفنانين المتميزين، تناول رموز حضارته واشتغل عليها وتنقل بها من بلد إلى آخر.
يذكر أن الفنان ياسين المحمداوي ولد في أهوار العراق وعاش فيها مجمل حياته، لكنه غادرها لدراسة الفن في بريطانيا، حيث حصل على شهادته في الفنون الجميلة من جامعة كارديف في مقاطعة ويلز، أتبعها بدبلوم عالٍ من جامعة ساوثمبتون. وفي سنة 1983 حصل على منحة دراسية إلى إيطاليا حيث أتم دراسته وحصل على الماجستير.
عاش الفنان المحمداوي سنواته الثلاث عشرة الأخيرة في الأردن، حيث توفي فيها إثر مرض عضال في العام الثاني من الألفية الثانية عن عمر ناهز السبعة والأربعين عاماً.
تقوم أعمال المحمداوي في أغلب مواضيعها على استغلال دلالات رمزية ترجع في الأصل إلى بيئته العراقية الريفية، فرسم الطيور والحيوانات والأطفال، كما امتلأت لوحاته بالمشاهد العاطفية الوجدانية والرقصات العراقية الشعبية المنتشرة، وهو ما جعل أعماله روايات محكية وصبغة خلاقة تُخلد البساطة الريفية والمشاهد اليومية الحياتية في الريف العراقي.