في ظل جائحة كورونا ومخاوف استمرارها هل يمكننا استعادة ألق نشاطاتنا الثقافية؟

67

 علي السومري – تصوير: صباح الامارة /

لم تشهد الساحة الثقافية العراقية الحديثة ونشاطاتها ومنذ توهجها أواسط القرن الماضي مثل هذا الشلل، الذي أصابها بعد اجتياح فايروس كورونا العراق والعالم أجمع.
اليوم يحاول المثقفون العراقيون استعادة هذه النشاطات، من خلال إقامتهم لجلسات وأماسٍ ثقافية، يخشى القائمون عليها والحاضرون إليها وأن لم يعترفوا علانية من احتمالية انتقال الوباء بينهم في حالة إصابة أحد الحضور، وبالرغم من هذه المخاوف إلا أنهم يغامرون من أجل استعادة الجو الثقافي والفني والمعرفي في البلاد بعد هذا الركود الذي حوّل القاعات والمنتديات والمقاهي الثقافية إلى أماكن مهجورة من روّادها.
ومن أجل معرفة ما يخطّط له القائمون على هذه النشاطات اليوم وفي المستقبل، استطلعنا آراء بعض أصحاب المراكز والمقاهي والمكتبات الثقافية وبعض المثقفين بشأن إمكانية عودة النبض لجسد فعالياتنا الثقافية ومحاولة إعادة زخم الحضور إليها.
قرارٌ حكومي
يقول سامر السبع، وهو صاحب دار ومكتبة (نابو) للطباعة والنشر، الذي هيَّأ في مكتبته الكائنة في شارع المتنبي حيزاً كبيراً خصصه لإقامة الفعاليات الثقافية ومنها حفلات توقيع الكتب: “جزء كبير من إعادة الزخم للنشاطات الثقافية، يعتمد على القرارات الحكومية، فالقشلة الساحة الأكثر شهرة في بغداد مغلقة بقرار حكومي، ومعارض الكتب أيضا متوقفة بقرار حكومي آخر، إضافة إلى تردي الوضع الاقتصادي في عموم البلاد بسبب جائحة كورونا، كل هذه الأمور التي تحدثت عنها قد أثرت بشكل كبير على عودة النشاطات الثقافية” مبيـّناً أنَّ إعادة الزخم للنشاطات الثقافية يعتمد بشكل كبير على قرارات حكومية، تتمثَّل بتسهيل الإجراءات بخصوص تراخيص الفتح للأماكن الثقافية والمعارض، وتقديم الدعم الحقيقي لقطاع النشر وأصحاب المكتبات، ورعاية وحماية الكُتّاب المتواجدين داخل العراق.
نتاجٌ مُستمر
أما السيد طالب عيسى، مدير قسم الشؤون الثقافية والتنمية البشرية التابع للمركز الثقافي البغدادي في شارع المتنبي فتحدّث عن هذه المشكلة، قائلاً: ” لقد حرصنا في الفترة السابقة مع ثلة قليلة جدَّاً في المركز الثقافي البغدادي وقسم الشؤون الثقافية والتنمية البشرية التابع لديوان محافظة بغداد، التي تعطّلت فيها العديد من الدوائر الرسمية والمؤسسات الثقافية العراقية عدا قلة قليلة جدَّاً، حرصنا على أن نستمر في مشروعنا الثقافي العراقي بشكل عام والبغدادي بشكل خاص”، مشيراً إلى أنَّهم وخلال شهور قليلة مع عدد من الأخوة المتعاونين معهم في الوسط الثقافي، في الفترة التي شهدت انطلاق تظاهرات تشرين العام 2019، وفترات الحظر بسبب فايروس كورونا وما بعده، تمكّنوا من تصوير وأرشفة 20,000 عشرين ألف صفحة خاصّة بالتراث البغدادي، عادّاً إياه بالمشروع الفريد والأول في تاريخ بغداد السلام، وهم مستمرون به حتى اللحظة، إضافة لتصوير وأرشفة مكتبة العلامة الدكتور أحمد سوسة، وإنشاء مكتبات ومتاحف العلامة الباحث التراثي عبد الحميد الرشودي، والمفكر العراقي عزيز السيد جاسم، والطبيب والفنان العراقي علاء بشير، فضلاً عن تسلم مكتبة الباحث التراثي الأستاذ نبيل الحسناوي ووضعها في مكتبة بغداد في المركز، وإكمال تصوير المجلدات الخاصة بالجرائد العراقية القديمة بالتعاون مع الأخوة الأعزاء في العتبة العباسية، مضيفاً بأنَّهم استثمروا هذا الركود بصيانة المركز الثقافي البغدادي من قبل كوادر محافظة بغداد وإكمال ترتيبه بالشكل اللائق وحسب ما توفّر لهم من إمكانيات، وهو ما أعاد بحسبه، الحياة للعديد من جوانب هذه البناية التاريخية.
عودة الروَّاد
في حين قال الباحث والكُتبي ياسر عدنان، صاحب مقهى (كهوة وكتاب) الثقافي، ودار عدنان للطباعة عن تأثير هذه الجائحة في المشهد الثقافي: “توقف كل شيء العراق، ومنها النشاطات الثقافية، لم يعد هناك روَّاد لمقهانا الثقافي بعد قرار إغلاق المقاهي، جماهير المتنبي تركوا شارع المتنبي وحيداً بسبب مخاوفهم من جائحة كورونا، وهو ما أنعكس سلباً على أعمالنا وحياتنا”، مضيفاً بأنَّهم اليوم وبعد عودة الحياة تدريجياً لشوارع بغداد، يحاولون استعادة النشاطات الثقافية وجمهورها، مبيـّناً بأنهم تمكنوا في الفترة الماضية من إقامة بعض الفعاليات الثقافية في (كهوة وكتاب) التي ستستمر في الأيام المقبلة.
مشاريع فردية
أما الباحث والفنان الدكتور أحمد شرجي، فتحدّث عن كسل المؤسسات الرسمية في التصدي لمهمة تفعيل النشاطات الثقافية، عاداً أغلب ما يقام من نشاطات بالفردية، إذ قال: “دعنا نعترف بعدم وجود مشروع ثقافي للحكومة الحالية والحكومات التي سبقتها، لا قبل الجائحة ولا بعدها، وهذا حتما ينعكس على النشاطات بشكل عام، لكن الحراك الثقافي موجود من خلال المشاريع الفردية، وهذا لا يمكنه خلق جو ثقافي عام ومحتدم، وجاءت كورونا لتكون سببا في هذا السكون والركود الثقافي”، مشيراً إلى أنَّ هذا الركود سيستمر مع استمرار الجائحة، لأنَّ وزارة الثقافة بحسبه غير معنية بنهوض الثقافة، وليس عندها إستراتيجية لذلك، مضيفاً: “لكن المراهنة ستبقى دائما وأبداً، على المشاريع الفردية، لترسيخ الفعل الثقافي في العراق، وهو ما حدث بعد فوز الروائي أحمد سعداوي بجائزة (البوكر)، والجوائز التي قطفها السينمائيون والمسرحيون في المهرجانات الدولية”.
برنامج (نابو)
وفي الحديث عن مشاريعهم المقبلة في ظل هذه الظروف الراهنة واستمرار الجائحة، قال الكُتبي سامر السبع: “نحن في دار نشر (نابو)، نجري استعداداتنا النهائية لإطلاق برنامج ثقافي أسبوعي، نستضيف خلاله الكُتّاب العراقيين، ونناقش آخر الأصدارت للكتب المترجمة إلى اللغة العربية، ويكون هذا البرنامج على شكل أصابيح ثقافية كل يوم جمعة في (نابو)، مبيـّناً قدرتهم على إقامة هذه النشاطات مع مراعاة الالتزام بالإجراءات الوقائية، عازياً ذلك لنوعية النخب التي ستحضر هذه الفعاليات والتي تتمتع بحسٍّ عالٍ من المسؤولية الأخلاقية.
أهمية الالتزام
أما السيد طالب عيسى فتحدّث بهذا الشأن قائلاً: ” الفترة المقبلة سيعاود المركز نشاطه وبكامل طاقته إن شاء الله، بعد التحقق من ضمان الإجراءات الصحية لأن سلامة المواطن مهمة لنا، وستكون هناك ضوابط نأمل الالتزام بها”، موضحاً أنَّ هناك عدم التزام جدي من قبل روَّاد شارع المتنبي، متمنياً التزامهم التام من أجل عدم خسارة أي مواطن وفنان ورياضي ومثقف آخر، مشيراً إلى أنَّ عدم الالتزام سيؤخر عودة الفعاليات الثقافية كافة في شارع المتنبي أو المركز الثقافي البغدادي، الذي تمنى (عيسى) عدم التفريط بما حققه الأخير من منجزات خلال عمره القصير، الذي لا يقارن مع مؤسسات تبلغ أعمارها أضعاف عمر المركز البغدادي.
منهاجٌ جديد
في حين قال الكُتبي ياسر عدنان إنَّهم أعدّوا منهاجاً جديداً، من أجل ديمومة فعاليات (كهوة وكتاب) وبالأخص بعد عودة رواد المقهى من المثقفين والفنانين.
ويرى الدكتور أحمد شرجي أن إمكانية عودة زخم النشاطات الثقافية إلى سابق عهدها، يمكن تحقيقه في المستقبل، شريطة وجود تخطيط سليم، ووعي بخطورة الفايروس، وتوفر النوايا السليمة والحقيقية للنهوض الثقافي وديمومته.
هذه الآراء يتشارك فيها العديد من المثقفين والفنانين وحتى الإعلاميين، الذين يراهنون على عودة الفعاليات الثقافية، باعتبارها واحدة من الطقوس المهمة في الثقافة العراقية، ليس لحضورها فقط، بل لما تشكله من مادة طازجة لجميع الصحفيين والإعلاميين الذين عانوا كثيراً من شحّتها في الأشهر السابقة، وهو ما حجب الثقافة وعوالمها من الصحف والتلفاز طوال هذه الفترة، متمنين استعادتها في القريب العاجل.