في كتاب (قمم موسيقية) لـداود أمين حياة حافلة لكمال السيد

137

يوسف المحمداوي/
كتابنا اليوم (قمم موسيقية مغيبة) بالغ الأهمية لما يحتويه من معلومات خاصة يجهلها الكثير منا عن ثلاثة أقمار مضيئة في سماء الموسيقى العراقية والعربية.
الكتاب الصادر عن منشورات (موقع الناس) يتحدث عن الملحنين (الراحل كمال السيد، وطالب غالي، والراحل كوكب حمزة). الثلاثة اتخذوا من دولة الدانمارك ملاذاً لهم في منفاهم القسري، ولكون مؤلف الكتاب، داود أمين، يسكن هناك أيضاً، فضلا عن علاقته الحميمة مع الثلاث. لكن الرابط الأهم في ذلك هو أن اليسار كان خيمة الأربعة الكبار، وهذا ما مكن (أمين) من الغوص في أدق تفاصيل حياتهم من الولادة الى يومنا هذا. كذلك لابد من الإشارة الى أن الكتاب صدر قبل فترة وجيزة لا تتجاوز الأشهر عن يوم رحيل الكوكب الخالد كوكب حمزة، ولا أستطيع الجزم بأن صاحب (الطيور الطايرة) اطلع عليه أم لا.
يتمٌ مبكر
يبدأ المؤلف منجزه بالحديث عن الراحل كمال السيد، الذي ولد في مدينة الناصرية عام 1944، وعاش طفولته وشبابه فيها، مع أن جذوره تعود الى مدينة الحلة، لكونه حفيد التاجر الحلي (عليوي الحسيني) الذي نزح الى الناصرية واشترى فيها كثيراً من الأراضي والبيوت لأولاده السبعة، و(كمال) هو حفيده لابنه الأكبر طالب، ووالدته امرأة كردية من السليمانية وافاها الأجل، ولما يبلغ رضيعها (كمال) سوى سنة وسبعة أشهر فقط.
موسيقيٌ متمرد
وعلى الرغم من نبوغه وعشقه للموسيقى، لكنه ابتدأ حياته مع الرسم، وحين قبل في معهد الفنون، واجهته مشكلة جديدة، إذ إنه ينتمي الى عائلة دينية، وترجع أصوله الى السادة الحسينيين، حينها تنكر له أهله، وقرروا عدم مساعدته مادياً، بل إنه واجه شبه إلغاء من العائلة. لكن كمالاً كان متمرداً ومصراً على قراره في دخول عالم الموسيقى، كما يقول كاتبنا (أمين)، وعند دخوله القسم الداخلي للمعهد شكل، هو وشلة من المثقفين اليساريين، مجموعة مهمة في ذلك الزمن، منهم (طارق ياسين، وعبد المحسن اطيمش، وعوني كرومي، وباسم محمود، وعلي رفيق، وسامي السراج، وجعفر حسن، وكمال السيد)، وكانوا يقضون أوقات فراغهم في المقاهي والنوادي الليلية في شارعي السعدون وأبي نواس.
مهارة فائقة
امتاز الفنان كمال السيد بإجادته تلحين الأوبريتات، ومنها (البائع والمشتري)، و(أبو الهيل)، من كلمات الشاعر كاظم الركابي، وأوبريت (جنيات الوادي) للشاعر قيس لفته مراد، وأوبريت (الحمامة) من ألحان الراحل كوكب حمزة، وأوبريت (ما أبيع طوگي) للشاعر كزار ذياب وألحان كوكب حمزة. وفضلاً عما تقدم، لحن (السيد) الكثير من الأغاني، منها على سبيل المثال لا الحصر (ما ابدلك والنبي، گصت المودة، تمر بيه) وأغنية (هي ولك يبلام) التي غناها الفنان حسين نعمة، وقال عنها الفنان الراحل كوكب حمزة: “إن هذه الأغنية من أهم الأغاني العراقية، لأنها تكشف لنا الجرأة الكبيرة التي يحملها ملحن الأغنية، والتركيبة الخاصة لها، التي شملت الكورال والوقفات الموسيقية والمهارة الفائقة التي أبداها الملحن كمال السيد في الانتقال من كوبليه الى آخر، وبالتالي الانتقال من نغم إلى آخر.”
صعوبة (المكيّر)
(أمين) تحدث عن أغنية (المگير) للشاعر الرحل زامل سعيد فتاح، وما رافقها من رفض من قبل اللجنة، ومن بعد ذلك تدخل الصحاف الذي كان مديراً للإذاعة والتلفزيون لتسجيلها، وهي حكاية لا تخلو من الغرابة، لكن السيد نجح في تلحينها، وكانت البوابة لألحان جديدة في تاريخ الغناء العراقي. وكما يشير الكاتب فإن الشاعر (زامل) أعطى قصيدة (المگير) في البداية للملحن طالب القره غولي، الذي اعتذر عن تلحينها لصعوبتها، وحين نجح السيد وظهرت الأغنية أشاد (القره غولي) باللحن وقال إن (الأخير) كان دائماً يقول إن “هذا الأسلوب في التلحين ابتدعه الملحن الكبير كمال السيد.”
شعراء عرب
تعاون (السيد) مع أهم الشعراء العراقيين (مظفر النواب، وزامل سعيد فتاح، وكريم العراقي، وكاظم إسماعيل الكاطع، وعريان السيد خلف، ومهدي السوداني، وأحمد عبد الجبار، وكاظم الرويعي، وهاشم شفيق)، وقدم ألحانه لعدة مطربين، من بينهم (حسين نعمة، وياس خضر، وفاضل عواد، وسامي كمال، وفتاح حمدان، وقحطان العطار، وسعدي الحلي، وستار جبار، وحميد منصور، وعارف محسن، وصباح السهل، ومرتضى فلاح، وفلاح صبار، وعبد الزهرة مناتي)، ومن المطربات (مائدة نزهت، وأنوار عبد الوهاب، وأديبة، وغادة سالم)، كما لحن من كلمات الشاعر المصري (نجيب سرور) أغنية (مفروض الواحد)، ومن شعر محمود درويش لحن وغنى لفلسطين (يما مواويل الهوى).
زيجات متعددة
يصف (أمين) الحياة الخاصة للراحل كمال السيد بأنها كانت حافلة بالزيجات، فأثناء دراسته في معهد الفنون الجميلة تعرف الى إلهام حسن، وهي شقيقة المطرب جعفر حسن وتزوجها، لكنهما انفصلا بعد فترة قصيرة. بعدها تزوج بإحدى رفيقاته في الحلة، وهي (هناء عثمان عبد السادة) التي أنجبت له ابنته (ألحان)، لكنها انفصلت عنه بعد مشاركتها في الكفاح المسلح للحزب الشيوعي في كردستان، واستشهدت هناك مع اثنتين من أخواتها. وفي دمشق تزوج بفتاة سورية (مرشدة) التي أنجبت له ولديه (عراق، وسومر)، وانفصل عنها أيضاً، ثم تزوج بشقيقة زوجة الفنان الراحل فؤاد سالم وتدعى (إيمان عبد الجبار العزاوي) التي أنجبت له صبياً أسمياه (كيم الحسين)، وكعادته انفصل عنها، ليسافر بعدها الى سوريا من أجل عقد قرانه على فتاة بصرية، لكن مرض السرطان منعه من تحقيق ذلك ليتوفى في الدانمارك عام 2001 ويدفن فيها.