في محاولة تفسير ظاهرة الابداع الكتابة تجربة فردية

361

كاظم حسوني/

ثمة مقالات لبعض الأدباء المشهورين، من عباقرة الأدب في العالم، تحمل بين ثناياها بوحا وتصريحات عن أسرار الكتابة الأدبية، وعن عاداتهم وتجاربهم وآرائهم في التجديد، تلك المهنة التي يصفها بعضهم بأنها شاقة وسيئة، لكنها محببة للمتعة التي فيها، لأن في “الفن قدرا من روح اللعب عند الانسان، وأن الفنان حتى وهو غارق في أصعب القضايا الاجتماعية، يجد ما يشبه لذة الطفل وهو يمارس “لعبة” ولعل القارئ أو الأديب يجد في المقابلات بعض الفائدة.

والكتابة الأدبية، إلا أنها في نهاية المطاف تمثل تجارب فردية، لكل واحد قوانينه وعوالمه الخاصة ومشروعه ورسالته، لاينبغي اللجوء إلى محاكمتها، أو اتباع خطوات هذا الكاتب أو ذاك، وذلك لأن الكتابة ممارسة فردية وهواية خاصة، كمن يقوم برحلة استكشافية يقرر مسارها ويخوض مخاطرها بنفسه، وبالرغم من ذلك لاتخلو قراءة هذه التجارب من فائدة ومتعة، وربما تشكل حافزا للأديب في تأمله لآراء وعادات الكتابة لدى هذه النخبة للوقوف على دقائق المهنة وفي التعريف على الطرق والأساليب والتقنيات التي يستخدمونها في إبداعاتهم الروائية والقصصية، فمن الصعب أن نفكر كيف ابدع دستويفسكي رواية الأبله في ثلاثة أشهر وهو في المنفى، أو أن نتمكن من تفسير براعة ماركيز الأدبية.

تكوينات سحرية

فالفن لعبة غامضة كتبت حولها المؤلفات الكثيرة، وبقيت تحيطها الأسرار والألغاز “ولفت حولها مدارس البحث وتدور في محاولة لاتنتهي لتفسير ظاهرة الإبداع عن الانسان ابتداء من العصور القديمة حتى الآن”. فالكتابة تثمل خلاصة تجربة الكتاب بما فيها من نزعات ودوافع ذاتية غامضة تتعلق بالبنية النفسية والتكوين السيكلوجي والشخصي للكاتب، لذلك تبدو الأعمال الخلاقة وكأنها تكوينات سحرية يضعها الأديب، ويزداد الاقبال عليها كلما احكم مؤلفها الصنعة واظهر مهارته في بناء المعمار الفني، “حيث تتحد ذاته بعناصر عمله الفني ويعيد تركيب الأشياء والعناصر في علاقات جديدة ويضفي عليها معاني ووظائف جديدة ” وأن الفنان كائن “يخلق خيالا ويصدقه ويدعو الآخرين إلى تصديقه “خاصة عند توفر عنصري الصدق الفني والموضوعي. مما يمنح عمله الاثارة والمتعة، ترى من منا يستطيع أن يصدق كينونة بطل رواية “العطر” التي انفكت تثير الجدل منذ صدورها، ولا نملك إلا أن نواجهها بالشك والاستغراب. ولا نستطيع أن نمنع أنفسنا بعدم التصديق، أو ربما كراهية هذا الشاذ الذي اطلقه المؤلف بيننا فجعلنا ننشغل بحكايته الغريبة ببراعة فائقة. هذه الشخصية التي امتلكت خلق الجدل الواسع بشأنها، لكنها مع كل ما قيل حولها، ظلت حقيقة حية ابتدعها الكاتب، بما تبدو للقارئ كونها مسلية أو شريرة أو مشوهة، لكن لامفر لنا من القول من أنها شخصية مثيرة نتطلع إليها برهبة أو متعة أو مقت ولانشك بوجودها أو بحيوتها أبدا فضلا عن قدرتها في اجتذابنا أو اغوائنا إلى ملاحقتها حتى النهاية بفضول كبير لايمكن انكاره وهذا هو الابداع بذاته وللكتاب سبل مختلفة، وطرائف متباينة في المعالجة والتكنيك الفني، فالروائي ترومان كابوت دائما تشغله التقنية والمعمار، وأن أكثر طموحه الذي يسعى إلى تحقيقه يدور حول الشكل اذ يقول “أني دائما امتلك الصورة الخادعة، أن اللعبة الكاملة للقصة ببدايتها ووسطها ونهايتها، تحدث في فكري، في وقت واحد، أي أني أراها في ومضة واحدة.

خلق الجدل

وهو يحاول أن يعرف نهاية القصة قبل كتابة أول كلمة فيها، وهو لايبدأ الكتابة، حتى يتأمل القصة مدة طويلة وعلى نقيض كابوت يعمل الروائي جورج سيمون على كتابة الملاحظات قبل شروعه في العمل الأدبي، التي تتضمن أسماء الشخصيات وأعمارهم وعوائلهم، يقول “ولا أعرف شيئا عن الأحداث التي ستحدث لهم فيما بعد، وإلا فلن يكون الأمر ممتعا لي” ويرى هنري جيمس “أن الكاتب الدرامي ككاتب القصة القصيرة يصل إلى هناك مشهدا بعد مشهد” بينما يعمل كثير من الأدباء بمعونة ملفات تحمل وثائق ومعلومات وخرائط، قبل الشروع والمضي في العمل الإبداعي، ومن ناحية أخرى يبدي مورياك رأيا آخر “بأن الشخصيات الأكثر غموضا وتناقضا تبدي إمكانيات جديدة كلما تقدمت القصة، وتتخذ لها موقعا لم نكن نتوقعه “، يبدو أن أغلب الروائيين يشبهون رؤساء الحملات الاستكشافية، أنهم يعرفون من هم رفاقهم، ويظلون يتعلمون عنهم أكثر، ويعرفون أية منطقة سيعبرون في اليوم الأول، أو الاسبوع التالي، أنهم يعرفون الهدف العام لرحلتهم الاستكشافية والجبل الذي يحاولون الوصول إليه، والنهر الذي يحاولون استكشاف منبعه ولكنهم لايعرفون بالضبط أين طريقهم وما هي المخاطر التي تعترضهم فيه، وكيف سيتصرف رفاقهم عندما يدفعون إلى أقصى حد أنهم لايعرفون فيما اذا كانت القارة التي يحاولون رسم خريطتها موجودة فعلا أم أنها من تصوراتهم فقط. وتظل الكتابة في النهاية صنعة، لا تكتسب بقراءة عشرات الكتب التي تتحدث عن جماليات الأدب، والبراعات الفنية، ولا يكون الأديب أديبا إلا بالفطرة أو لايكون!، ولكننا لايمكن أن ننكر دور القراءة في صقل المواهب واتقان العمل الفني وابتكار الأساليب والأشكال وأدوات الكتابة “ولايخفي أن كبار الأدباء، مثل هوميروس واسيخيلوس وسوفيكلس، وشعراء المعلقات وشكسبير، هؤلاء وأمثالهم لم يقرأوا لكي يكتبوا، كما يفعل معظمنا اليوم، بل كانت تكفيهم الفكرة أو الحكاية أو الحادثة أو التأريخ، وربما الكلمة، لتشعل عبقريتهم الطبيعية.