في وداع إبراهيم الخياط رئيس “جمهورية البرتقال”

485

علي السومري /

مثل قصيدة لم تكتمل كانت رحلته الأخيرة، وسط أمكنة طالما أحبها، بين الجبال والتلال الرابطة بين محافظتي أربيل ودهوك، مع عدد من الشعراء، أصدقاء محنته وفرحه، هكذا رحل إبراهيم الخياط، الأمين العام لاتحاد أدباء وكتـّاب العراق، الشاعر الذي راهن على الأدب والثقافة والموقف، الشاعر الذي لن يتذكره محبوه إلا مبتسماً.
لم يكن يوماً عادياً، ذلك اليوم الذي غادرنا فيه (الخياط)، حين ترك بغداد خلفه متوجهاً إلى اقليم كردستان لإنجاز بعض المهام، بغداد التي لم يكن يتوقع أن لا يراها مجدداً إلا وهو محمولاً على أكتاف صحبه، صحبه الذين لم تفارق أفواههم مرارة الفقد حتى اللحظة.
حادث مروع، هكذا بدأ كل شيء، خبر تناقلته جميع وسائل الإعلام، المرئية والمسموعة، ومواقع التواصل الاجتماعي، حادث سير لوفد الاتحاد العام لأدباء وكتـّاب العراق أدى لوفاة أمينه العام، الشاعر إبراهيم الخياط، وإصابة رفيق دربه الشاعر عمر السراي، لكن كيف يموت من يبشر بالحياة؟ كيف؟ ربما هذا هو قدر الشاعر، أن يولد في اللحظة التي تشتعل في رأسه أسئلة المعنى، ويموت في اللحظة التي ينشغل فيها بحثاً عن الأجوبة. كل الوجوه التي حضرت مراسم تشييعه المهيب كانت مذهولة، مذهولة وهي تحمل جثمانه، وهي تسير إلى مقبرة النجف الأشرف، وهي تسمع كلمات الرثاء التي تلقى وتذاع من قبل المسؤولين في الرئاسات الثلاث، وحتى في الإقليم. جميع وفود الأدباء الذين وصلوا من محافظاتهم الى بغداد بعد سماعهم الخبر، كانوا يتوقعون وجوده، وجود (الخياط) لاستقبالهم، هكذا اعتادوا أو هكذا عودهم هو، أن يكون أول من يرحب بهم كلما زاروا عاصمتهم الحبيبة، لكن لا وجود لصاحب جمهورية البرتقال، لا وجود لمن كان يقول لهم (على راسي…..أهلاً سيدي)، لا وجود لمن كان يتفقد أحوالهم، لا وجود سوى للفجيعة، فجيعة الفقد والخسارة لشاعر كرس حياته للشعر ولاتحاده (اتحاد الأدباء). لم يكن مأتمه عادياً، كان يشبه مهرجاناً شعرياً كبيراً، مهرجاناً للدمع والبكاء والنحيب. صورك التي توزعت في المأتم، كنت فيها ترفع يدك وأنت تحيي الجميع، وكنت مبتسماً كالعادة، أولادك الذين اختنقوا بعبرة الرحيل، كانوا يرسمون بوجوههم وجهك، هكذا كنت موجوداً حتى في غيابك، كنت موجوداً في ضمائر محبيك، أنت الذي أجمع الكثير من المثقفين على محبتك ونقاء سريرتك. هل أحدثك عن أصدقائك الشباب، بسام وبهاء وعامر وغيرهم، كانوا يتراكضون في مأتمك وهم غير مصدقين خبر رحيلك، أصدقاء التظاهرات، الذين كان نشيدهم فيها هو (باطل)، هل تتذكر هذه الأنشودة التي كتبتها إبان انطلاق تظاهرات العام 2011؟
ها أنت تضيف بيتاً جديداً فيها، يمكننا الآن أن نصرخ: (خسارة الخياط باطل).
ها أنت الآن وصلت إلى زوجتك الأولى (أم حيدر) السيدة النبيلة التي اغتالها الإرهاب في بعقوبة، وربما هي الوحيدة التي تشعر بالسعادة الآن للقياك.
هل تعلم بأن زوجتك الثانية تكتب حتى الآن مراثيك، تنشر صورك مع أطفالك؟ وأصدقاؤك ملأوا صفحاتهم الخاصة في (الفيسبوك) بقصائد النعي، نعيهم الذي لم يتوقف حتى الآن. هكذا يعيش الإنسان بعد موته، في ذاكرة محبيه ورفاقه. خارطة سفرك الأخيرة كانت كمن يحاول رسم خارطة العراق، سفر من بغداد إلى دهوك، وعودة عبر المحافظات الجنوبية، وصولاً لبغداد، حيث تشييعك في اتحاد الأدباء قرب ساحة الأندلس، لتختم رحلتك في محافظة النجف في تشييع يليق بك، تشييع رسمي كانت فيها صورك تتوسط المئات من صحبك.
(ياريت) أغنية فيروز التي نشرتها على صفحتك الخاصة قبل ساعات من الحادث، رددها الكثير من رفاقك، وهم يتمنون عودتك، أو خبر يكذب خبر موتك. الجميع يكتب عنك إلى اليوم، وهم يحاولون رسم تلويحة وداع أخيرة لك، لتعرف كم أحبوك، صديقك يوسف يبكيك حتى الآن، ورجاء الربيعي زميلة السنوات الطوال في الاتحاد تنتظر أخذ مشورتك في تفاصيل العمل، ومثلها يجلس الشاعران مروان عادل حمزة وعمر السراي في انتظار زائر لن يأتي!
هكذا رحلت، وهكذا كتبت آخر قصيدة لك، وهكذا ستعيش في قلوب محبيك إلى الأبد. يذكر أن الشاعر إبراهيم الخياط، الذي توفي يوم الأربعاء 28/8/2019، كان قد لد في محافظة ديالى، وتسنم مناصب عدة، بينها مدير لإعلام وزارة الثقافة العام 2005، وبعد استقالته من وظيفته، أصبح المتحدث باسم الاتحاد العام لأدباء وكتـّاب العراق، والذي أصبح أمينه العام في آخر انتخابات للاتحاد، ونشر مجاميع شعرية، أبرزها (جمهورية البرتقال)، إضافة لاستمراره بكتابة عموده الصحفي في صحيفة (طريق الشعب)، ومواظبته على اكمال رسالة الدكتوراه، بعد أن نال شهادة الماجستير من كلية الآداب جامعة بغداد العام 2017.