في وداع حسب الشيخ جعفر.. شاعر القصيدة المدورة يترجل عن صهوة الحياة

102

“مجلة الشبكة” /

يالها من خسارة كبيرة، خسارة للعراق عموماً وللثقافة خصوصاً، تلك هي اللحظة التي أعلن فيها عن رحيل الشاعر الكبير والمترجم الفذ حسب الشيخ جعفر، السومري الذي كتب الشعر وأتقنه وأبدع في ابتكار القصيدة المدورة، التي سميت باسمه. حظي الشاعر بتقدير كبير من قبل المختصين وكبريات المؤسسات الثقافية، ومنها مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، التي منحته جائزتها للشعر في دورتها الثامنة 2002 – 2003.
إنه حسب الشيخ جعفر، المولود عام 1942 في العمارة (ميسان)، المتخرج في معهد غوركي للآداب في موسكو 1966، الحاصل على شهادة الماجستير آداب، الذي شغل مناصب عدة في الشأن الثقافي، منها رئاسة القسم الثقافي في إذاعة بغداد 1970 – 1974، ومحرر في جريدة الثورة، وهو عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق. أسهم في الصحافة العراقية وحضر المؤتمرات الأدبية والشعرية في العراق والدول العربية والاتحاد السوفييتي، وهو المترجم الخبير عن الروسية، إذ ترجم للكثير من الشعراء الروس، وحصل تقديراً لأعماله الشعرية على جائزة السلام السوفيتية عام 1983.
نتاجه الإبداعي
أصدر (الشيخ جعفر) منذ مطلع الستينيات العديد من الكتب والمجاميع الشعرية، من بينها (نخلة الله)، و(الطائر الخشبي) و(زيارة السيّدة السومريّة)، و(عبر الحائط في المرآة)، و(وجيء بالنبيين والشهداء)، و(في مثل حنو الزوبعة)، و(الأعمال الشعرية) عام 1985، و(أعمدة سمرقند)، و(كران البور)، و(الفراشة والعكاز)، و(تواطؤاً مع الزرقة)، و(رباعيات العزلة الطيبة)، و(رماد الدرويش)، وهو كتاب عن مذكراته عن مرحلة الدراسة في موسكو، و(الريح تمحو والرمال تتذكر) رواية 1969، و(مختارات من الشعر الروسي)، كما ترجم قصائد مختارة لغابرييلا ميسترال، وبوشكين، وكانت آخر إصداراته، أعماله الكاملة عام 2022 الصادرة عن دار الشؤون الثقافية في بغداد.
عزلة اختيارية
لم تكن لحظة رحيل (الشيخ جعفر) مفاجئة لرفاق دربه الطويل، لكنها كانت صادمة، وموجعة لشاعر اختار العزلة منذ سنوات طوال، مراقباً المشهد الثقافي من بعيد، عزلة قد تخترقها أحياناً زيارات لأصدقاء لم يستطيعوا الابتعاد عنه.
رحيل نعاه الكثير من المثقفين، وتحولت على إثره صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مجالس عزاء كبيرة لمثقف لم يهادن طوال حياته، وبقيت مواقفه السياسية والثقافية ناصعة البياض منذ زمن الطاغية حتى رحيله.
قامة ثقافية وانسانية
نعاه رئيس الجمهورية، الدكتور برهم صالح، في تغريدة نشرها على حسابه الخاص، كتب فيها: “طائر الجنوب الذي حلّق في الشعر العربي لعقود، شاعراً ومترجماً ومجدّداً رحل عن عالمنا.” مضيفاً “أن الشعر فقد برحيل الشاعر العراقي الكبير حسب الشيخ جعفر: إحدى أهم قاماته، وتنحني (نخلةُ الله) حزناً على ابن ميسان الذي أضاء الشعر بمدوّراته. تعازينا لكل العراقيين، وتغمد الله روحه بالرحمة.”
كما عبر رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي، الذي حضر مجلس عزاء الراحل، عن حزنه لفقدان قامة كبيرة في الشعر والحياة، إذ كتب في تغريدة له: “تلقينا ببالغ الأسى نبأ رحيل الشاعر العراقي الكبير حسب الشيخ جعفر. كان رحمه الله قامة ثقافية وإنسانية باسقة، أمدّ الثقافة العراقية بدفق الفكر والوطنية.” مضيفاً: “تعازينا الحارة لعائلته وأصدقائه وللوسط الثقافي العراقي والعربي بغياب منبر من منابر الإبداع”.
أما وزير الثقافة والسياحة والآثار، الدكتور حسن ناظم فقال: “توفي في بغداد اليوم الشاعر الكبير حسب الشيخ جعفر، أعظم شاعر بعد السيّاب، وأكبر شاعر مجدّد بعد تجديد الروّاد الكبار، جيل السيّاب”.
خسارة فادحة
الاتحاد العام لأدباء وكتّاب العراق نعى الراحل في بيان جاء فيه: “إن رحيل جعفر خسارة فادحة للأدب العربي، فهو التجربة المهمة، والشاعر المبتكر، والأديب الأصيل، والإنسان النبيل. وداعاً أيها الوديع الهامس بكل مفردات الحياة.. تبكيك الأنهار والجهات وهي تتعلم الدوران من تدوير تفعيلاتك، وتبكيك الأمم التي تسمو بك، وتعلو لتعود إليك. المجد لروحك الطاهرة الخالدة”.
الدكتور عارف الساعدي، مدير عام دار الشؤون الثقافية، كان أول من نشر خبر وفاة الراحل، واصفاً إياه بالخسارة الكبرى: “يا لخسارتنا الكبرى، أنعى لكم رحيل الشاعر الكبير حسب الشيخ جعفر، فقد وافته المنية قبل ساعتين في بغداد، الرحمة والنور لروحه والعزاء لكل العراقيين”.
جوهرة اليقين
ولم يجد الشاعر حميد قاسم، كتلويحة وداع، سوى نشر مقطع من قصيدة للراحل، إذ كتب: “لو أنني/ مثل أبي العلاء../ أعرفُ كيفَ أمسكُ الفؤاد/ كالثورِ من قرنيه/ لو أنني/ مثل أبي نواسْ/ تضيءُ لي حنيني/ جوهرةُ اليقينِ/ في جرةٍ مكسورةٍ او كاسْ/ لو أن قلبي قشةٌ في الريحْ/ تأخذهُ مني، فاستريحْ.” مختتماً إياها بعبارة (وداعاً حسب الشيخ جعفر).
أما القاص والروائي جمعة اللامي فكتب: “إنّ حَسب الشيخ جعفر، شأنٌ عراقيٌّ غير قابل للانتهاء، لذلك فإن المُعزّى في رَحيله هو العراق، وطنه ووطننا غير القابل للانتهاء. حزني بعضٌ من حزنكم”.
طفل كبير
ونشر الكاتب والباحث جمال علي الحلاق، عن ذكريات جمعته مع الراحل أثناء اقامته في عمّان، حين كان مدمناً على قراءة (سونيتات) حسب الشيخ جعفر التي كان ينشرها بشكل متواصل، يقول (الحلاق): “كان يبدو لي فيها طفلاً كبيراً يقيم خارج الحُلم، ولا يملك إلا اللغة فاتخذها ملهاةً له، تماماً كما فعل أبو العلاء المعرّي من قبل في (لزوم ما لا يلزم).” مضيفاً: “أراه شاعراً غريباً عن لحظته، يُقيم خارج الوقت، وحيداً في الحشد، يلهو بالكلمات، يستمتع برنينها وهي تتدحرج كدراهم، ويفرح بلمعانها وانعكاسات ضوء أحرفها أيضاً، أظنه قد أمسك ثور اللّغة من قرنيه، لكن بعيداً عن كل ما يدور حوله، لقد أغلق بابه فلم يعد بحاجة الى العالم. هكذا، توقّف الحُلم عن الجريان، وبدأت الذاكرة تملأ الفضاء بمجرّاتها ونجومها”.
خلاصة الشعر
في حين كتب الشاعر والباحث خزعل الماجدي عن الراحل الذي وصفه بآخر الشعراء الكبار: “كان حسب الشيخ جعفر خلاصةً نادرةً وطيبةً للشعر العراقي الحديث اجتمعت فيها منجزات الريادة الشعرية الخمسينية وجموح التجديد الستيني، فكان حسب سليل كل هذا التاريخ العذبِ للشعر العراقي الحديث”.
وقال الشاعر عواد ناصر: “أبحث عن حسب الشيخ جعفر كما بحث هو عن (نخلة الله) التي لم يجدها، لكنني وجدته منذ نصف قرن تقريباً، فلازمته، عن بعد، شاعراً منفرداً، واصطفيته، بين من اصطفيت، من شعراء العراق، والعالم العربي، وما زلت، بعد أن تعرفت، كقارئ للشعر، على بعضٍ من شعراء العالم، إذ أعود إلى شعر حسب، كلما حاولت استعادة آمالي الأولى وآلامي الأولى، على شكل ذاكرة غير مغشوشة”.
أما الشاعر عامر عاصي فقد وصف حسب الشيخ جعفر بدرويش الشعر، وأيقونته الأسمى، مؤكداً أنه سيبقى المحطة الأكثر أهمية وغموضاً في قطار الشعر العراقي.
يتيمُ سومر
كما كتب القاص والروائي عبد الستار البيضاني (وداعاً يتيم سومر)، عاداً إياه أحد الشعراء المؤثرين في القصيدة العربية، الذي ترك لنا عدداً كبيراً من دواوينه الشعرية والدواوين المترجمة عن اللغة الروسية.
أما الشاعر والكاتب إبراهيم البهرزي فكتب عن رحيل الشاعر حسب الشيخ جعفر: “لا يشبه شعر حسب الشيخ جعفر شعر شاعر آخر أبداً، هو كما كان سعدي وقبلهما سركون بولص، وقبل سركون البريكان وحسين عبد اللطيف من شعراء (القصيدة الشخصية)، تلك القصيدة المتخلقة من شخصية الشاعر الخالصة، القصيدة – التوقيع الشخصي.” مضيفاً: ” لن يتكرر شاعر مثل الراحل حسب الشيخ جعفر، المتن المتفرد في الشعرية العراقية، وربما كان الخفي من شعريته أكثر ثراءً من الظاهر، وتلك خيبة النقد العراقي المزمنة، وبرحيله يغلق باب كريم من أبواب الشعرية العراقية، لن يعوضه مدخل آخر”.
الكتابة عن الراحل حسب الشيخ جعفر لم تتوقف حتى اللحظة، إذ عمد الكثير من رفاق رحلته في الحياة، ورفاق شعره وتلامذته ومحبيه الى نشر قصائده وصورهم معه على صفحاتهم، مستذكرين عبر كتاباتهم مسيرة شاعر خلده شعره وأدبه وعزلته الاختيارية.