قراءة في كتاب: “بانتظار الملك”

44

علاء حميد /

يقع صنف كتاب “بانتظار الملك” في مجال الكتاب الصحفي الذي يعطيك تجربة كاتب العمود في متابعة الحالة الاجتماعية التي يمر بها مجتمعه، وهذا ما عمل عليه الأستاذ حسن العاني في كتابه “بانتظار الملك” الصادر عن شبكة الإعلام العراقي عام 2020 في طبعته الأولى.
غلاف الكتاب وعنوانه يلفتان الانتباه، إذ تعلو صفحة الغلاف صورة الملك فيصل الثاني وتحتها جملة “بانتظار الملك”، التي يحيلنا معناها إلى انتظار صاحب الصورة، ثم أن هناك على يمين العنوان رسمة لطفل وهو ينظر من نافذة بانتظار أحد ما، ربما يكون الملك الموجود في الصورة. يخبرنا الأستاذ حسن أنه منذ أن مارس الصحافة في أوائل ستينيات القرن الماضي وهو يحمل خوفه، لأنه ينتظر من القارئ التقاط المعنى الذي يريد إيصاله إليه، فقد ينجح أو لا ينجح، لذلك يجتهد في تحويل ما يرصده من ظواهر وقصص إلى نص صحفي في قالب مكثف يقوم على الاستعارة والرمز ينتظر ممن يقرأه الحصافة والفهم.
والكتاب يحتوي “100 مقالة” جميعها منشور في جريدة “الصباح” التي تصدر عن شبكة الإعلام العراقي. يلحظ قارئ هذه المقالات ارتباطها بالأحداث التي مر بها المجتمع العراقي، وهذا ما يحقق وثائقيتها تاريخياً واجتماعياً، فنحن نفتقد توثيق ما يمر بنا من وقائع وتحولات غيّرت قيَم المجتمع وتقاليده. إن توثيق ما جرى كتابياً ثم نشره في الصحافة يحوِّل هذه الممارسة إلى صناعة وثيقة ذات أبعاد متنوعة، فهي تصلنا بالماضي عبر نقلها لما حصل سابقاً، وفي الوقت نفسه تمنحنا القدرة على المقارنة بين السابق واللاحق، مع استبصار لما قد يحدث مستقبلاً، فمثلاً في مقالة “تكنوقراط رهن الإشارة!!” المنشورة في الكتاب، يعرض الأستاذ العاني على نحو مبسط العلاقة بين الأزمة السكّانية والحروب التي خاضها العراق، وأبرزها الحرب العراقية – الإيرانية وما تلاها من حرب اجتياح الكويت ثم الحرب الأخيرة عام 2003، إذ يؤشر في هذه المقالة الاختلال السكّاني في نسبة الإناث على الذكور. وعلى الرغم من انها ليست مشكلة مقلقة إلا أنها تفاقمت مع بداية الحرب مع إيران عام 1980 وتكونت ظاهرة الأرامل التي قاربت المليوني أرملة، وما يلفت العاني الانتباه إليه هو العطب الذي أصاب مؤسسة الزواج في العراق.
عمل الأستاذ حسن العاني في مقالاته على بث رسالة مضمرة، لعلها تصل إلى صاحب الشأن والقرار لكي يتنبه ولعله يُغير من نهجه في عمله الوظيفي والسياسي. فحين نطلع على مقالة “الشيء بالشيء يذكر!!” نجد أنه يوظف مضمونها في الإشارة إلى مشكلة الخطاب الذي يصدره السياسيون والمحللون وأصحاب الشأن العام وتحويلهم أمور العراقيين إلى “خان جغان” يمرح فيها من هبَّ ودبّ. تأخذنا عناوين مقالات الكتاب إلى مراجعة ما شهدناه من أهوال وأحوال منذ 2003 حتى اليوم، فعندما نقرأ “المدير البديل”، ولعلها كلمة مألوفة لمن اعتاد على ما يجري من تغيرات مفاجئة وغير متوقعة، ولكن في نص هذه المقالة يقارن الأستاذ العاني بشكل غير مباشر بين ما قبل 2003 وما بعدها، إذ يلفت إلى أن القضية ليست تغيراً في الشكل دون المضمون، فحين نتأمل قصة الشاب الذي يروم الزواج ويلجأ إلى مديره طلباً لحل مشكلته في السكن قبل تغيير النظام، ويصدمه حين يعنِّفه تحت طائلة التشكيك بقدرة النظام السابق على حل مشكلة السكن التي يتعلق بها إتمام الزواج، ثم يواجه الشاب نفسه المعضلة ذاتها بعد تغيير النظام حين يراجع مديره طلباً لمعونته في حل أزمة السكن التي يواجهها وتعيق إتمام زواجه.
يحيلنا كتاب الأستاذ حسن العاني “بانتظار الملك” إلى ملاحظة ما يتوفر عليه الكاتب من إمكانية الصحفي والباحث في القدرة على تغيير ما نواجه من مشكلات وتحديات متوسلين الكتابة والتحليل؟ ثم إشهار ذلك في نصوص مكتوبة ومعروضة للقراءة لمن يريد المعرفة والاطلاع. وهنا ربما نعود بالذاكرة إلى خوف الأنظمة السابقة من الكتابة وتأثيرها على الناس، ولكن بعد تغيير 2003 بات الأمر مختلفاً وأصبحت الكتابة متاحة للجميع، ولاسيما في وسائل التواصل الاجتماعي.
اللافت للنظر أن هناك تخمة فيما يكتب دون تأثير ملموس، أو ربما أمسى التأثير وقتياً بسبب ما فعلته هذه الوسائل من زيادة في استهلاك أغلب مظاهر الحياة وتحويلها إلى أشياء عابرة لكثرة تدفق المعلومات وكثرة المتداول مما يجري في حياتنا اليومية، ومع هذا يبقى كتاب الأستاذ حسن العاني وثيقة صحفية حملت سمات متعددة تتيح لنا الرجوع إلى الماضي للاطلاع عليه وربطه بالحاضر الذي نعيشه.