قصة طرزان العراقي!

969

مجلة الشبكة/

حاولت الدولة العثمانية خلال فترة حكمها المباشر (1831-1917) أن تفرض الخدمة العسكرية الإجبارية على الولايات التابعة لها، وقد سبقت محاولة مدحت باشا، التي تعد الأولى من نوعها، في فرض قانون التجنيد الإجباري على أبناء العراق، محاولات من قبل الوالي ( السردار الأكرم عمر باشا1857-1859) في إصدار قانون الخدمة العسكرية الإجبارية على السكان، إلا أنهم لم يستجيبوا لهذا القانون وفرّوا الى الأهوار والصحارى حيث رفضت العشائر تقديم أبنائها الى الحكومة. وما بين التجنيد والفرار هناك قصص كثيرة إحداها قصة العراقي أحمد بدّاوي الذي لقب بـ”طرزان مانيسا.”

حيّ بن يقظان وأحمد بدّاوي .. رابطٌ مشترك

الفيلسوف الذي علّم نفسه، كان عنوان كتاب نشر في أوروبا عام 1671م، وأثار اهتماماً واسعاً بين العلماء وأهل الفكر, فقد كان الكتاب ترجمة لاتينية أعدها (إدوارد بوكوك) للكتاب العربي المسمى )حي بن يقظان ( وهو رواية فلسفية ألفها في القرن 12م الفيلسوف الأندلسي المسلم )ابن طفيل(، واعتمد فيها على قصة قصيرة كتبها قبله )ابن سينا(، وتعد قصة )حي بن يقظان( أول قصة في التاريخ العربي بالمعنى الحرفي للقصة، سبقها قبل ذلك كتابان يعتبران محاولة للقص هما )رسالة التوابع والزوابع( لابن شهيد الأندلسي و)رسالة الغفران( لأبي العلاء المعرّي، ولكن قصة حي بن يقظان تتميز عنهما بأنها أكثر صلابة وقوة من ناحية الحبكة القصصية وعمق الأهداف، حيث تحكي القصة عن )حي( الذي دفعته الظروف إلى أن ينشأ وحيداً في جزيرة خالية من البشر، فقامت بعض الحيوانات البرية بتربيته والاعتناء به، واستطاع بقدراته الفكرية والذهنية وحدها أن يضع لنفسه تصوراً واضحاً عن العالم وخالقه. أحدثت فكرة أن العقل وحده، بدون معرفة قبلية، يمكن أن يقود إلى التنوير والحق، ضجة فورية كبيرة في أوساط كثير من المفكرين في الغرب وصاروا يتهافتون على الكتاب وعملوا على ترجمته بلغات مختلفة.

جون لوك

وقد كان لهذا الكتاب أثر كبير لدى (جون لوك) الذي يعتبر من أهم الفلاسفة الإنجليز، فكتب كتاباً يصف فيه العقل كصفحة بيضاء خالية من كل القواعد والمعوقات الموروثة . كما نشرت دورية “المراسلات الفلسفية للجمعية الملكية” مراجعة ممتازة تمتدح كتاب حي بن يقظان المترجم، كما كانت تلك القصة هي الأساس للعديد من روائع الفكر والأدب العالمي مثل كتاب (عقيدة القس من جبل السافوا) للفيلسوف الفرنسي (جان جاك روسو) وكذلك نجد المشتركات واضحة بينها وبين رواية (روبنسون كروزو) للبريطاني (دانييل ديفو) وقصة (ماوكلي فتى الأدغال) وشخصية (طرزان إنسان الغابة) التي تتناول كلها سلوك الإنسان عندما تجبره الظروف على العيش في بيئة خالية من البشر.

بدّاوي ورحلة الأدغال!

هذا ما حصل للجندي العراقي (أحمد بدّاوي) المولود في سامراء عام 1899، فقد اقتيد بدّاوي بالقوة من قبل الجيش العثماني خلال الحرب العالمية الأولى، فتلقى واحداً من أعلى أوسمة الشجاعة، ليصبح أحد الجنود المميزين بالجيش.

لم يطق بدّاوي الشهرة ولم يحبها في البداية، لذلك اختفى بعد ذلك بوقت قصير في غابات مانيسا التركية، حيث عاش بجوار الطبيعة، وتجول عارياً مجرداً من ملابسه. وعندما تم العثور على بداوي بعد عدة سنوات، انتشرت أخباره في الصحف العالمية، حيث زاره الممثل الأمريكي الشهير (جوني فايسمولر) الذي ألهمته قصة بداوي القيام بدور طرزان في فيلم “الرجل القرد” عام 1932م ، هذه المرة استهل “طرزان مانيسا” شهرته الجديدة ليصبح أحد النشطاء السياسيين الكبار في سياسات الوعي البيئي، واتباع أسلوب حياة نباتي نظيف، فقد اشتهر، في عموم تركيا، بكونه الرجل الذي زرع بمفرده آلاف الأشجار في المقاطعة، أحبه أهل مانيسا كثيراً، فهناك العديد من التماثيل التي بُنيت له على يد السكان المحليين في المدينة، وهناك أيضاً فيلمان سينمائيان ومسلسل حول حياته، تعرض باستمرار على التلفزيون التركي. كما تقيم له مقاطعة مانيسا احتفالات ومهرجانات سنوية في ذكرى وفاته الموافقة 31 أيار من كل عام .