“قمم موسيقية مغيبة” طالب غالي.. لحنية البصرة المدهشة..

68

يوسف المحمداوي/
يقول صاحب كتاب (قمم موسيقية مغيبة) المؤلف (داود أمين) في مقدمة كتابه: “الموسيقيون الثلاثة الذين يتناولهم هذا الكتاب هم أصدقائي، وقريبون جداً مني، فأنا عشت معهم، وما أزال أعيش مع اثنين منهم منذ أكثر من ثلاثين سنة في بلد واحد هو الدانمارك، بعد أن غادر ثالثهم، الفقيد العزيز كمال السيد، أما الآخران فهما الملحن والشاعر طالب غالي، والملحن كوكب حمزة، اللذان رافقاني منذ المهرجان العالمي العاشر للشبيبة والطلبة في برلين صيف 1973، وما يزالان يعيشان معي في العاصمة الدانماركية كوبنهاكن، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، حيث كنت -وما أزال- التقيهما متى أشاء.” (الكلام للكاتب قبل وفاة الفنان الكبير كوكب حمزة). حضور آسر
يتناول أمين في كتابه ثلاثة ملحنين كبار، تحدثنا في الحلقة الأولى عن الراحل كمال السيد، وفي حلقتنا الثانية سوف نتحدث عن الملحن والمطرب والشاعر طالب غالي، بحسب ما جاء به كتاب (قمم موسيقية مغيبة)، الذي أرى أن مؤلفه لم يكن موفقاً في اختيار عنوانه، ولاسيما في عبارة “مغيبة”، لأن الملحنين الثلاثة سجلوا حضورهم الآسر المدهش من خلال منجزاتهم اللحنية الرائعة، وهم مع أنهم كانوا معارضين لسلطة النظام البائد، فإنهم لم يكونوا مغيبين، بل حاضرين في جميع مسيرات حياتهم داخل وخارج البلد.
كاتب الشعر
الفنان طالب غالي من مواليد البصرة عام 1937 في منطقة (البنكية) الملاصقة تماماً لمحلة (مناوي باشا)، وكان لوالده غالي ثلاثة أولاد غيره وأربع بنات، وكان من عشاق الطرب، فلطالما كانت العائلة تسمعه وهو يردد أغاني عبد الوهاب وأم كلثوم، ومع ولعه ذاك، لكنه كان شديد القسوة في تربية أولاده، وكانت العصا سلاحه في التقويم.. كما يعتقد.
والدة طالب كانت تجيد القراءة، ولكنها لا تجيد الكتابة، وكانت تقيم مأتماً حسينياً في بيتها، تكون فيه (ملّاية) ذلك المجلس. وعندما بلغ طالب الرابعة من عمره أرسلته العائلة إلى ملّاية أخرى تجيد القراءة والكتابة، لكي يتعلم أصول الدين، ولم يغادرها إلا وهو يحفظ الكثير من السور القرآنية، فضلاً عن حفظه كثيراً من أبيات المعلقات السبع، وخاصة أشعار عنترة بن شداد. وحين دخل المدرسة الابتدائية فوجئت إدارة المدرسة بمستواه الدراسي اللافت، لذا جرى ترحيله إلى الصف الثاني.
مجالس العزاء الحسينية في دارهم، إضافة الى إنشاده القصائد الحسينية في مجالس الأثرياء، ومواكبته الزيارات الحسينية في كربلاء، جعلت طالباً يجيد كتابة الشعر، وفي رمضان كان طالب -وبحسب تعليمات الوالد الصارم- يصوم الشهر ويختم القرآن خمس مرات خلاله.
صوت الوالد الذي كان يجيد الغناء -كما أسلفنا- وكذلك صوت أمه الملّاية، وترديده الأناشيد الحسينية، وتجويده السور القرآنية، كلها دفعت طالباً لكي يمتلك صوتاً عذباً يجذب إليه المستمعين، برغم وفرة الأصوات العذبة في البصرة التي تعد مدينة الأدب والفنون، كما لا ينكر تأثير فرق (الخشابة) التي كانت تنتشر في ذلك الزمن بشكل غير مسبوق، ومن تلك الفرق، كما يوضح المؤلف، فرقة الزبيري (أبو ذنية) وفرق (النهامة) في البحر، حيث الإيقاعات الهندية، وإيقاعات الزنج. ويعتقد طالب أن لا تأثير كبيراً للأهواز وبلاد فارس على الأغنية البصرية، بل إن تأثير بلدان الخليج وحضرموت وزنجبار والهند كان أكبر.
طقوس راقصة
كان لزنوج البصرة وطقوسهم الراقصة، حتى في أيام موت أحدهم، تأثيرهم الكبير في الذائقة اللحنية للفنان طالب، وكما يوضح كاتبنا أن الزنوج كانوا يتركزون في منطقتي (الساعي والمجيبرة)، حيث كانوا يؤدون في تلك الأمكنة مختلف الرقصات، مثل (الهيوة) و(النوبان)، والأخيرة كانت تؤدى للمرضى، وفي توديع الموتى، بذكر مناقبهم بلغة إفريقية غير مفهومة، ومن تلك الفرق التي يتذكرها طالب فرقة (أبو ناظم) التي كان يتصدرها الراقص البصري الشهير (فرج).
يقول صاحب كتاب (قمم موسيقية مغيبة): “في السنوات الأولى لانقلاب البعثيين عام 1968، زارت البصرة لجنة فنية بقيادة الفنان خزعل مهدي لاكتشاف الأصوات الموهوبة في المدينة، فاختارت اللجنة الفنان لويس توماس، وطالب غالي، وسيتا هاكوبيان، وفؤاد سالم، والفنانة جانيت. وجرى تقديمهم في برنامج (وجوه جديدة)، وقد أعجب الفنان وديع خوندة بألحان طالب غالي، لذا سجل له في الإذاعة والتلفزيون بعضاً من أغانيه، منها (هله هله ياسمه) و(صندوگنا العالي)، اللتان حذفتا لاحقا لاعتبارهما من أغاني الشيوعيين.” كما يشير الكاتب.
الفرقة البصرية فكرت في عمل جديد فاجتمعت في بيت الفنان (محمد سعيد الصگار)، وحضر التجمع الفنانون (حميد البصري، وقصي البصري، وطالب غالي، والأديب ياسين النصير، والشاعر علي العضب)، وجرى الاتفاق على تقديم أوبريت (بيادر خير)، فكتب السيناريو ياسين النصير، فيما كتب أغانيه باللهجة العامية علي العضب، والشاعر خالد الحشان الذي قام بكتابة مقاطع الربط بين فصول الأوبريت بالشعر الفصيح، الذي كان من بطولة فؤاد سالم وشوقية وسلمى عبد الوهاب وطالب غالي، ليحقق الأوبريت نجاحاً مبهراً على الصعيد المحلي.
غريب على الخليج
بعد تقديم العديد من الأوبريتات، أسهم طالب بتلحين العديد من الأغاني للفنانين سعدون جابر، وفؤاد سالم. وفي الكويت التقى الشاعر داود الغنام ليلحن له أغنية (ودعونا)، التي غناها فؤاد سالم، وكذلك أغنيتي (حبيناكم) و(مسافرين). ولعل واحداً من أهم ألحانه، كما يقول طالب، هي أغنية (غريب على الخليج) التي غناها فؤاد سالم، كما استمر طالب في تقديم المسرحيات الغنائية للأطفال، منها مسرحيتا (سندس) و (الطنطل يضحك).
عاش طالب في الكويت 11 سنة قدم فيها للمطرب فؤاد سالم ثلاثة أشرطة غنائية، تضمن الشريط الأول 6 أغانٍ، ونفس العدد في الثاني، وفي الثالث ثلاث أغانٍ، من ضمنها (يادجلة الخير). وبالتعاون مع الشاعر فلاح هاشم جرى تقديم مسرحية (ساندريلا) التي لحن فيها طالب 12 أغنية للأطفال عرضت جميعها في التلفزيون الكويتي. ولا يفوتنا أن نشير إلى شاعرية الفنان طالب غالي، التي تجلت في مواقف عدة، منها -على سبيل المثال لا الحصر- قصائده التي كتبها بالفصحى لصديقه المؤلف أمين داود في مناسبات خاصة. لايزال الفنان يعيش في مهجره بالدانمارك، وقد شارك المشيعين العراقيين في نقل جثمان الفنان الكبير كوكب حمزة ودفنه، الذي سيكون فارس حلقتنا الأخيرة في رحلتنا اللحنية مع كتاب (قمم موسيقية مغيبة).