كتبٌ جديرة بالاهتمام لعبد الكريم السامر

351

#خليك_بالبيت

جاسم عاصي /

ثقافة الطفل مهمة صعبة، إذا ما نظرنا إليها من باب المُعطى الذي تتركه في صفحة كائن يتدرج في استكمال قدرته على التقبل. وهذه الصعوبة لا تذهب إلى المستحيل، بقدر ما تُعطينا الإنذار الذي يقوِّم الاختيار ويحدده وفق معايير تربوية خالصة.
فالطفل يتدرج في إمكانية استقبال المعلومة، كذلك ثمة فوارق فردية بين الأطفال، الأمر الذي يتطلب العناية بنوع المفردات الثقافية والأدبية. لذا نجد في سلسلة الأديب (عبد الكريم السامر)، وهي مجموعة كُتب ضمَّت تنوّعاً في الاختيار بين (الشعر، القصة، العلوم، رؤية الظواهر الطبيعية)، حالفنا الحظ في الحصول عليها والاطلاع على ما تحتويه. وقد خصَّص لكل باب كتاباً منفرداً، وكان الإخراج الفني أهم ما ميَّز الكُتب؛ من ألوان وخطوط متقنة فنياً، وجاذبة لذائقة الطفل، فهي تستهوي الطفل الذي تعلم القراءة والكتابة، والذي لم يبلغ سن التعليم بعد. لذا كانت كل الصيغ الفنية تصب في الكيفية التي يستقبل بها الطفل ما يطّلع عليه، فهي عبارة عن مجموعة رسائل لمحبي السلام والخير وحب الحياة، وعناوين الكتب دالّة على أفق وفضاء مفتوحين لعالم ساحر وجميل، الذي هو عالم الطبيعة.
فعناوين مثل (الأزهار كيف تنمو؟ ومارسيلا والقمر، وأرنبان صغيران في دعوة شاي، واهطل بعيداً أيها المطر) تدل بنحو مباشر ودون مواربة على اختيار العناوين المناسبة لعالم الطفل ومحيطه المألوف. ولأن ترجمة الشعر والسرد كانت بلغة بسيطة وشعرية المنحى، تنحو للبساطة أكثر عبر التلاعب لا بسياقات الشعر بلغته الأم، بقدر تطويع المفردة لصالح مناخ الأطفال بمختلف جنسياتهم، الأمر الذي وضع النص وفق رؤى متواضعة لغوياً، ورصينة في الصياغة، وقادرة على إشباع حاجات ورغبات وأهواء الطفل.
إن الالتفاف على وعي الطفل، ببلاغة مفرطة مثلاً، يُبعد ذائقته عن القراءة، فهو كائن مغرم بما هو قريب إلى وعيه، ومتمكن من تصعيد مخيلته وتصوّراته عن الطبيعة وأفق الوجود والعلاقة بالآخر القرين حصراً، فهو كائن يحب الشجر والنخل والأنهار، والحيوانات والحشرات، لذا تمكن الشاعر (السامر) من اختياراته لرفد مكتبة الطفل، كما أن إخراج الكتب، ابتداءً من حجمها وطريقة فتح صفحاتها وتزيين أغلفتها بالورود والأزهار وصور الحيوانات، كلها أشياء لافتة للنظر، ناهيك عن متون الكتب الزاخرة بالألوان، والتسلسل الذي أعان النصوص في استجلاء المعنى، وقرّب الشعر من ذائقة الطفل التوّاق إلى التزيين والقِصَر في التعبير، وخلق عوالم محتشدة بالألوان والصوَر.
إن أبجدية الطفل هي أبجدية الخطوط والألوان، وتلك من أفضل حسنات هذه الكتب، فهي كتب شعرية للطفل وليس لغيره، وتناسب ذائقة أعمار متقاربة ومتباعدة نسبياً، فهي زاد لعمر صغير يبتهج بالألوان، وللذي لا يقرأ ولا يكتب بعد، ولمن استحصل تعليماً مكّنه من القراءة. ولعل حسنة كبرى تُحسب لما احتوته الكتب أنها وضعت النص بلغته الأم مقابل الترجمة إلى العربية لتتصوّر الفائدة التي سيزرعها هذا التنظيم في الترجمة والإخراج والتصميم، وهنا محاولة لتقديم توصيفات لهذه الكتب:
1 ــ (مارسيلا والقمر): يحكي سيرة البطة مارسيلا المُحبة للرسم، فهي تعشق رسم الرموز في الطبيعة (القمر، والشمس، والنهر)، لكنها هنا تعلقت بالقمر، فاستدرجت صورته قبل الظهور وبعده بعيداً عمّا يشغل أقرانها، فاعتراض البطّات لم يوقف دأبها في الرسم حتى اكتمل القمر بدراً. هذه السيرة تعطي معنى للإصرار وحب الجمال: “في أحد المتنزهات كانت تعيش مجموعة من البطّات، وكانت بينهنَّ واحدة تختلف كثيراً عن الباقيات، هذه البطّة تدعى مارسيلا، فهي تحب الرسم وتقضي معظم وقتها في رسم الصوّر، بينما البطّات لا يعرفن غير السباحة في البِركة.”
2 ــ (اهطل بعيداً أيها المطر): كتاب شعري مناسب لذائقة الطفل لمجموعة من الشعراء المعروفين في الأدب العالمي، يتغنى بالطبيعة وظواهرها الجميلة بلغة شعرية بسيطة وذات معنى عميق تحبب الطبيعة للطفل وتقرّبه من عالم سحري خلاب، إذ لا تغفل القصائد مفردات الطبيعة الأُخرى غير المطر كالشجر والعشب، والأرض والطيور، وثمة قصيدة لشاعر غير معروف تقول (اذهب بعيداً أيها المطر): أيها المطر… أيها المطر اذهب بعيداً / ارجع ثانية في يوم آخر / لأن جوني الصغيرة تريد أن تلعب. rain rain go away come again some other day little johnny want to play”
3ــ (أرنبان صغيران في دعوة شاي): وهو كتاب سردي يروي حكاية زيارة الأرنبين لبيت الجدّة لتناول الشاي، القصة تمنح الأرنبين درساً بليغاً، لحظة اختلفا على حيازة الدمية التي أهدتها لهما الجدّة، غير أن حسم الأمر من قبل الجدّة قدّم لهما هذا الدرس فعاشا بسلام ومحبة: “ذات ظهيرة ودّع الأرنبان الصغيران (بنتك) وأخته (بابس) أمهما وأباهما وخرجا من البيت، فقد كانا مدعوَّين لشرب الشاي في بيت جدّتهما… بعد الشاي قالت الجدّة: قبل أن تذهبا إلى بيتكما أُقدم لكما دُمية هدية…. اختلفا، فأمسك (بنتك) بإحدى ذراعي الدمية، وأمسكت (بابس) بالذراع الأخرى، لكن الجدّة حسمت الأمر: الأن أصبح لكل واحد منكما دُميته….وعانقا دُميتيهما وراحا يرقصان فرحاً.”
4 ــ(الأزهار كيف تنمو ؟) : يُعطي درساً مدعماً بوسيلة الإيضاح الناصعة والناطقة والبسيطة، يتحدث الكتاب عن مراحل نمو النبات وطبيعة الأوراق والسيقان والجذور ووظائفها، بأسلوب علمي تربوي لا يغفل عن كل مرحلة ونموها وتأثيرها على الكائن الشجري أو النباتي؛ “النبات والزهور تنمو في كل مكان في الحدائق، البراري، حتى في الأسيجة… بعض الأشجار لها زهور، الطحالب وهي من الأعشاب الضارّة لها زهور أيضاً، اللهانة كذلك لها زهور، لكن بعض الفطريات كالغاريغون السام، والسرخسيات، والصنوبر، والأناناس، ليست لها زهور.” هكذا يقدم الكتاب دروسه عن الأزهار.
نعتقد أن هذه الكُتب المترجمة عن اللغة الإنكَليزية، صالحة لعقل الطفل، بما قدمته من دروس متنوّعة، ونبارك للمترجم الأُستاذ (عبد الكريم السامر) سعيه وجهده في الاختيار والترجمة.

النسخة الألكترونية من العدد 361

“أون لآين -4-”