كسر الرتابة.. الشعر ومفهوم الظاهرة

30

زهير الجبوري /

في مرحلتنا الراهنة، وأعني عصرنا الثقافي الادبي الآن، تعددت الرؤى وفتحت آفاق القراءة والتلقي الى حد كسر الرتابة التي اعتدنا عليها منذ زمن بعيد. ولم تكن الثورات الفكرية والفتوحات الكولنيالية والصراعات الديالكتيكية سوى مصائر كبيرة لشعوب العالم، استطاعت أن تكسر مفهوم الثابت والغور في تفاصيل أقحمت في أجواء مشتركة تحت عنوان (الظاهرة)، والأمر انطوى على صياغات تجريدية من حيث التجربة والبناء، فكان الأدب بكل فروعه الأقرب الى الإمساك بمفهوم الظاهرة،
وكانت القصيدة المجال المباشر والفعال في تطبيق ذلك، ولم تكن القصيدة مثل سابق عهدها خاضعة لعوالم البلاغة والمجاز والتشبيه، بقدر ما تطرح مشروعها الدقيق في خلق لون من ألوان الاختيار الدقيق لموضوعة معينة، بخاصة ما طرحته التجارب الأخيرة في الساحة العراقية في كسر ثابت البناء الشعري، وهي لم تكن وليدة المزاج او الحساسية في الذائقة، انما التأثيرات الآيديولوجية وانعكاساتها على ذهنية الشاعر، ومن ثمّ القصيدة ، فالعقود الستينية والسبعينية والثمانينية كشفت عن وجه جديد للقصيدة بحكم التحولات الفكرية والصراعات فيها، في حين جاءت القصيدة في العقد التسعيني (في الأغلب) بوصفها موقفاً رافضاً للآيديولجيا، فكان (المتن والهامش والسواد والبياض)، وبعض التجريبات المطروحة التي شكلت لا مركزية النص الشعري، بعدها انعكست ملامح العولمة، حينها ظهرت تجارب شعرية معبرة عن مشاريع هائمة، فالدقائق والجزئيات والفرعيات في وحدة القصيدة استخلصت لنفسها وحدات موضوعية خالصة، منها:

مشروع النص الشعري
الكتاب الشعري: وهو مشروع يتناول نصاً شعرياً واحداً كتب بطريقة شعرية حديثة وبتقطيعات فنية معاصرة، بمعنى قراءتنا لتجارب مشبعة بكتابات متداخلة أجناسياً طرحت كوحدة شعرية متكاملة، كتجربة الشاعر موفق محمد وكتابه الشعري (سعدي الحلي في جنائنه)، وتجربة الشاعر الدكتور عبد الكريم راضي جعفر وكتابه الشعري (خطاب الأمير بدر شاكر السياب)، وتجربة الشاعرة غرام الربيعي وكتابها الشعري (لا أجيد سواك)، وغيرها من التجارب التي لا حقت الظاهرة كعتبة عنوانية أولاً، وطبقتها مضمونياً ثانياً..
والعنوان الشعري: ربما هي انتقالة كبيرة ومهمة في الشعري العراقي أن يكون للعنوان مشروعه الكامل في تجربة معينة، ومع قلة هذه التجارب التي شاهدتها وقرأتها في الآونة الأخيرة، إلاّ أني أحسبها انتقالة حساسة ومهمة، لأنها انطوت على وحدات نصية متكاملة الأبعاد، وحين يكون (العنوان + المتن + النصوص وهي مجتمعة في تجربة واحدة)، يؤكد انسلاخ الشعر من وحدته المألوفة الى جزئيات في غاية الأهمية، كتجربة الشاعر كاظم مزهر في (بستان اللّيل)، حيث هناك فلسفة نصية متوازنة، قد يكون الشاعر غاير مفهوم العتبة النصية التي طرحها (جيرار جينيت) وجعلها جزءاً من وحدة متكاملة لوحدة (اللّيل)، كذلك تجربة الشاعر خضر حسن خلف في (جلالة الوقت)، اذ تظهر شعرية النصوص على قدر كبير وحدة العنوان والموضوع معاً، صحيح أننا قرأنا العديد من القصائد، لكنها تلاحق أبعاداً موضوعية واحدة تتلخص في ثيمة الوقت، لكن قبلها كانت هناك تجربة مهمة للشاعر جبار الكوّاز، ألا وهي (ورقة الحلة)، وهي مدونة كبرى لسرديات المدينة داخل المتن الشعري..
المضمون الشعري
وأعني هنا المضمون الشعري الناقد، حين تلاحق الشاعر الظواهر السسيو سياسية و السسيو ثقافية، ومع التمسك بفنية النصوص، إلا أن وظيفة الشاعر وظيفة كاشفة، مهما كانت طريقة بناء القصيدة، ومهما أخذت أبعادها النصية في الصياغة، وسأكتفي بتجربة الشاعر كاظم الحجاج وقصائده النثرية المعهودة، فإنك حين تقرأ للحجاج، او تسمعه يقرأ، فما عليك سوى الإصغاء لأنه يغور في قصدية شعرية تلاحق الواقع، وهي ظاهرة شعرية تحتاج الى طريقة عالية في بناء النص ولغة شعرية مشبعة بمكر طرحها، يشاطره في ذلك الشاعر موفق محمد، غير أن الأخير له أدواته الخاصة في ثلاثيته الشهيرة (القصيدة والمنصة والمتلقي)..
ككل، يبقى الشعر العراقي في مقدمة الشعر العربي، لأنه يطرح السؤال المعرفي دائماً ويشتغل على كشف المسكوت عنه ويلبس ثوب التجريب، بل يعمل على التجريب، ولنا في ذلك شواهد كثيرة وتجارب سافرت في كل أنحاء العالم ..