كوميديا النفي داخل الأوطان جنتلمان في موسكو

32

رشا الربيعي/

“كان المنفى عقاباً أنزله الرب بآدم في الفصل الأول من الكوميديا الإنسانية، ثم أنزله بقابيل بعدها ببضع صفحات. نعم، المنفى قديم قِدَم الإنسان. لكن الروس كانوا أول من برع في فكرة نفي الإنسان داخل موطنه.” يلخص هذا الاقتباس من رواية (جنتلمان في موسكو) للروائي الروسي (أمور تاولز) فكرة الرواية بأكملها.
أن يحكم عليك بالإقامة الجبرية في غرفة فندق مساحتها أحد عشر متراً مدى الحياة، فلا يعني ذلك شيئاً سوى الحكم بالموت البطيء عليك، وإن تناسيت ذلك أو نسيت. ستتساءل كثيراً لمَ لم يطلقوا رصاصة الرحمة على الكونت عوضاً عن إهانته عمداً بفرض الإقامة الجبريةعليه؟ وهل توقعوا أن يرد الإهانة لهم بتمسكه بالحياة؟ كما ستتساءل مجدداً كيف أجاد الكونت صنع الحياة، وهو مرصود بعيون البوليس السري الذي كان يلاحقه حتى في غرفة نومه؟ الجواب يكمن ها هنا: على المرء أن يقهر ظروفه وإلا قهرته الظروف.
سطور تشيخوف
تلخص الرواية أحداث قرن كامل في روسيا أثناء حكم ستالين بعد نجاح الثورة البلشفية مطلع القرن العشرين، روسيا التي عانت الويلات من حكم القياصرة، فهل أنصفها ستالين (سوسو)؟ البلاشفة الذين عانوا كثيراً من جبروت القياصرة، إذ قُتل الكثير منهم أو جرى نفيهم إلى سجون سيبيريا، فلماذا أنزلوا العقاب ذاته بأتباع القيصر أو حتى المشتبه بهم؟ وماذا عن أولئك الذين آمنوا بثورتهم أمثال (ميشكا)، الشاعر الفيلسوف الذي عُذّب ونفي أخيراً إلى سيبيريا لثماني سنوات، ليعود منها محطماً لا يشبه ما كان عليه بشيء سوى حلمه بإنجاز كتابه، وهو ممنوع مدى الحياة من زيارة المدن الست؟ في وقت لم يرتكب فيه أيّة جناية سوى رفضه أن يقتص بعض السطور من صفحات كتاب انطون تشيخوف الذي كان في صدد إعادة جمعه وطباعته. ولكن ماذا عن شعارات البلاشفة عن حرية المرء وصون كرامته؟
صراع الزعامة
يبدو أن الثورة لا يتمسك بها سوى صنّاعها، أولئك الذين قدّموا أعمارهم قرابين لولادتها، لكنهم تناسوا أن يقدموها قرباناً لأجل نجاحها وصمودها أمام مطامع السلطات العليا، لا من أجل ولادتها فحسب، فالولادة يسبقها مخاض والمخاض عسير قد يخرج الجنين منه مشوّها كلياً أو جزئياً، أو ربما يخرج سليماً معافى، ويعود ذلك القرار للقدر والقادة، لا لأتباع الثورة وصنّاعها، أتباعها الذين آمنوا وتباركوا بولادتها وتناسوا صراع الإنسان الغريزي على الزعامة.
في الحادي والعشرين من حزيران عام 1922، اقتيد الكونت (ألكسندر إلييتش روستوف)، عضو نادي الفروسية، ومستشار الصيد الإمبراطوري عبر بوابة الكرملين إلى الميدان الأحمر، ومثُل أمام اللجنة الطارئة لمفوضيّة الشعب للشؤون الداخلية، وحكم عليه بالإقامة الجبرية في فندق المتروبول مدى الحياة، وأنه إذا ما خطا خطوة واحدة خارج الفندق فسيقتل رمياً بالرصاص، هو الذي لم يرتكب جناية، ولم يُتهم بأية تهمة سوى كونه أرستقراطياً، ولم يبد ندماً على ذلك!
كيف يصادر التغيير الذي تأتي به الثورات حريتك؟
غالباً ما اعتدنا أن نقرأ عن الفقراء والمهمشين، وكيف تصادر حرياتهم من قبل الأغنياء والسلطات، لكننا نادراً ما قرأنا عن مصادرة حريات الطبقة الغنية أو الأرستقراطية دون جناية مرتكبة منها سوى كونها أرستقراطية.
أبوابٌ مقفلة
تستند الرواية الى شخصية الكونت الرئيسة، ذي الخلفية الثقافية والفلسفية الواسعة. لكنها تعتبر كذلك رواية عن رمزية ومرجعية المكان (فندق المتروبول) الشهير في موسكو، الذي يضاهي فندق (بلازا) في نيويورك وغيره من الفنادق التاريخية العريقة في عواصم العالم جمعاء. فهي رواية (سيرية) ستتعرف من خلالها على غرف وممرات المتروبول وطاولات مطعمه (البويارسكي) وطبيعة الأطعمة التي تقدم لضيوفه ونزلائه. كما ستشهد أهم الأحداث التاريخية التي وقعت فيه، لحظة قام الرفيق (سفيردلوف) عام 1918 بإقفال الباب على أعضاء لجنة صياغة الدستور في جناح في الطابق الثاني، مشدداً أن أحداً لن يخرج إلى أن يتمُّوا مهمتهم! وستتعرف كذلك على ضيوف (المتروبول) لعقود عدة، وستشهد احتفال اللجنة الرئاسية ومجلس الوزراء وستحتفل معهم. ستحتفل مع خروتشوف، ومالينكوف، ومولوتوف وميكويان، وفوروشيلوف، الأعضاء الستة الأبرز في الحزب الشيوعي في اللحظة الأولى لانطلاق محطة (أوبنينسك)، وستشاهد موسكو أكثر سطوعاً مع الكهرباء القادمة من أول محطة للطاقة النووية في العالم عام 1954.
حساء دافئ
الوطن غير البلد، فالوطن لشعبه، لا للساسة الذين يغيرهم الزمن كما تغير الأشجار ثيابها كل خريف، ينفضهم عنه ولكنه يتناسى أنه قد نفض معهم أحلام وأرواح وسنوات عدة من أعمار مواطنيه، أولئك الذين يعرفون جيداً أن الأوطان لهم وأن طغى ساستها، لكنها حتما ستعود لهم مشرقة بعد خريف طويل. الكونت، وبرغم ما قاساه في بلده من نفي وإقصاء، يوصي ابنته صوفيا ليلة سفرها إلى باريس بالحساء كي تدفئ قلبها من بلدها، حتى تستطيع أن تتذكره بشغف إذا ما ساورها الإحباط.
“من حقائق الحياة البشرية أن الإنسان يجب أن يختار فلسفةً ما في نهاية المطاف”لذا اختار الكونت العودة مجدداً إلى عاصمة التفاح (نيجني فوغارد)، موطنه الأول، متكيفاً مع جميع التغييرات التي وقعت عليها، وهنا يكمن عزاء الكونت الأخير، فبعد أن نفي من وإلى موطنه، يعود إلى موطن ذكرياته عسى أن يجد الأمان فيه!
يذكر أن (جنتلمان في موسكو) رواية صدرت عن دار التنوير عام 2019، ترجمها إلى العربية إيهاب عبد الحميد، وبلغ عديد صفحاتها 592 صفحة من القطع المتوسط، واختيرت وفق صحيفة (التايمز) ككتاب العام 2017.