كيف كتبت عذراء سنجار؟

648

وارد بدر السالم/

حظيت رواية عذراء سنجار الصادرة مؤخرا باهتمام لافت من أوساط ثقافية ودينية نظرا لتناولها موضوعة ساخنة لا تزال تثير ردود أفعال شعبية ورسمية بسبب تعرض سكان سنجار (مدينة الأيزيديين) لجرائم بشعة ارتكبتها عصايات داعش بحق أهلها الآمنين. «الشبكة» استضافت صاحب «عذراء سنجار» الكاتب وارد بدر السالم ليكتب لها عن ظروف كتابته الرواية:

عندما فكّرتُ بكتابة رواية عذراء سنجار كنتُ أدرك الصعوبات الكبيرة التي ستواجهني في إنشاء عمل سردي ملحمي ينطلق من الذات الشخصية لطائفة وديانة بعينها الى المجموع الوطني في أوسع معطياته الإنسانية، وكانت الديانة الأيزيدية غامضة عليّ الى حد كبير سوى ما أسمعه من كلام غير دقيق وغير مسؤول مما هو شائع من الكلام الذي نتداوله من دون دراية ومنطق معقول عن الدين الأيزيدي حتى يُصبح الكلام شبيهاً بالأسطورة والخرافة.

لكنْ بهاجسٍ معرفي أولي أيقنتُ إنّ التشويه الواقع على الأيزيديين له جذور تاريخية قديمة ليست وليدة داعش وسواها وإنّ 74 فرماناً وفتوى جاهلية ليست عابرة في التاريخ الأيزيدي، وكل ما قرأته لاحقاً عبر عشرات المصادر المحايدة أوصلتني الى قناعة إن داعش هي الحبل الواصل في تلك السلسلة الطويلة من الكراهية والأحقاد وضيق النظرة الى الآخر والاستخفاف بخيارات الإنسان والحط من قدره بناء على مزاجٍ ديني ما كان ينظر الى البشرية هذه النظرة من الكراهية، لكن عمائم الدين وصانعي الفتن ومفسري الكلام السماوي المشعوذين أوصلوا رسالة الدين الى غير ما هي عليه، ليمتهنوا الإنسان خلق الله العظيم ويساومونه على معتقده ودينه وخياراته الروحية بالسيف والدم.. وأخيراً داعش بالسبي والرقيق والاغتصاب امتداداً لتاريخ عنيف من هذا السلوك المنحط.

فرمانات التكفير

سنجار بؤرة الدين الأيزيدي وجوهره وروحه تاريخياً، وهي المكان الذي تولد فيه إشعاعات الدين وتنتشر. ولعل سنجار التي كانت مدينة هامشية ومقصيّة في جغرافية العراق عادت اليوم الى واجهة الأحداث بعد غزوها وانتهاك حرماتها وتشريد أبنائها وقتلهم واغتصاب نسائها بنفس طريقة الفرمانات الحاقدة القديمة، ومثل كل مرة تحدث المأساة ذاتها ويحدث الرعب ذاته وتُنتهك الأعراض وتُسبى النساء وتختلط الأوراق من جديد مع كل فتوى حاقدة.

اختلف فرمان داعش عن غيره من الفرمانات القديمة كونه حصل في عصرٍ آخر وحياة أكثر انفتاحاً وقبولاً للآخر في مختلف تجلياته الإنسانية والروحية والدينية، وفي عصر تقني وعلمي وإلكتروني ومعرفي في عولمة الحياة اقتصاداً وسياسةً واتصالاتٍ وتربيةً عامةً، ومثلما أصبح العالَم قريةً صغيرة وأصبح فيه الشرق والغرب يلتقيان في نقاطٍ كثيرة مشتركة، أصبحت الحياة أكثر سهولة وتقبلاً في حركيتها ورؤية الآخر من نوافذ كثيرة.

إيقاف مد الحياة

لكنّ داعش الخارج من كهوفٍ إسلامية قديمة وصحفٍ صفراء أكل الدهر عليها وشرب، استيقظ مع هذه الحياة الهائلة العظيمة في محاولة لإرجاع عقارب الساعة الى الوراء وإيقاف مد الحياة في نقطة حقده القديمة على الإنسانية متذرعاً بالدين ومستلهماً من السلف – الخطأ شعاراته وبرامجه وأحقاده على الآخر.

وضعتُ كل هذا في ذهني وأنا استحضر التاريخ القديم وأقرأ فرمانات العنف والقتل والسبي وأقارنها بصورة اليوم التي لا تختلف عن جوهرها إطلاقاً سوى إنها اختلفت بطريقة تنفيذ الحقد والكراهية وسيول الدم الغزيرة التي أغرقت الأيزيديين وشتّتت شملهم وسبتْ نساءهم بطريقة كارثية لا نظير لها في العصر الحديث .

وهكذا بدأتُ من التاريخ والجغرافية والدين في هذا الثلاثي الذي ركّبت عليه الرواية في عذرائها الصغيرة التي خطفتها داعش مع غيرها من آلاف النساء والصبايا والشابات والصغيرات في سنجار وقرآها الكثيرة التي خانها مَن خانها حتى أوقعوها في فخ داعش الى اليوم.

مفترق الواقع والخيال

أود الإشارة الى إن كتابة الرواية لا يتطلب مطابقتها مع الواقع، وإن تطابقت فهذا يعني إنها أقرب الى روح التقرير منه الى العمل الإبداعي وهو الأكثر بقاءً وديمومة من التقرير السريع الذي يصف ولا يحلل بينما العمل السردي الروائي يقف في مفترق الواقع والخيال ويضفي عليه نكهة فنية وجمالية، والرواية تستفيد من الوثائق والشهادات الحية، لكن ليس بالضرورة أن تلتزم بها من حيث حرفيتها، بل هناك عامل سردي مساعد وهو الخيال السردي الذي يحقق اتصاله بالواقع بطريقته الجمالية.

عذراء سنجار لمحة من لمحات سنجار لكنها لمحة اقتضت أن تكون مركّزة وناقدة في نفس الوقت، فالفرمان رقم 74 وإن كان داعشياً بامتياز لكن له خلفية عريضة من تواريخ الفرمانات القذرة التي طالت الأيزيديين وبالتالي وكوني أريد أن أؤرّخ لهذه المصائب عبر داعش فلابد أن أستقدم التاريخ وأكشف سوء نواياه وفتاواه الكثيرة لأصل الى سؤال: أين الخطأ في كل هذا؟ ولماذا الأيزيديون من دون غيرهم؟

وأصل الى السؤال الأكثر أهمية: ماذا تعلم الأيزيديون من تواريخ الغزو التي طالهم عبر مئات السنوات؟

وهل درسوا أسبابه؟ وهل احتاطوا الى العقود المقبلة باحتمالية تكرار الغزو للأسباب ذاتها؟

وأصل الى سؤال لا يقل أهمية عن هذا: بعد طرد داعش واستعادة المخطوفات وعودة الأهالي الى مناطقهم في سنجار وبعشيقة وبحزاني.. هل يمكن أن يحصل غزو يحمل الرقم 75 مستقبلاً؟؟

سنجار هي العراق

رواية عذراء سنجار ناقشت كل هذا بصراحة ووضوح عبر شخصيات أيزيدية مؤمنة بدينها وتاريخها، لكن الغزو الداعشي غير المتوقع جعلها تعيد حساباتها في منظومة دينية واجتماعية شاملة بطريقة الأسئلة الملحّة والأجوبة المرتبكة. وأزعم إن عذراء سنجار تمكنت من العثور على فجوات محتملة هنا وهناك في هذا التاريخ العريض واقترحتْ أن تُعاد الحسابات من جديد في طريقة التفكير وإنشاء علاقات أكثر انفتاحاً على الآخرين بالمستويات كلها ابتداءً من الدين وانتهاءً بالعلاقات الاجتماعية.

عذراء سنجار لم تخرج من سنجار وحسب، إنما خرجت من روح العراق – الوطن الكبيرـ في محاولة لتأشير الفاجعة الكبيرة التي تعرض لها الأيزيديون، فالمكان مهما كان صغيراً هو مكان عراقي أولاً وأخيراً، والأيزيديون مواطنو هذا الوطن بكل تاريخهم الطويل.

إذن عذراء سنجار رواية عراقية خرجت من رحم سنجار ومن الدين الأيزيدي وامتدت الى وطن أكبر والى دين خرج عن التسمية الفردية ليكون دين الإنسان في كل مكان.. وهذا ما سعت اليه عذراء سنجار بعيداً عن المسميات لكن قريباً من هواجس المواطنة الحقيقية التي تفترض إن الجميع على سفينة وطنية واحدة، هذه السفينة التي اصطدمت بجبل سنجار قديماً في طوفان نوح وسدّت ثقبها إفعى سوداء حتى لا تغرق بمن فيها.. واليوم يعيد التاريخ بعضاً من ذلك الطوفان في سفينة العراق التي اصطدمت فعلاً بجبل سنجار.. لكن الثقب يتسع كل يوم للأسف.