لا تخلو جيوبهم من الكتب.. فرنسيون اتخذوا من القراءة متعة تطوي المسافات

101

زياد جسام /

لا يختلف اثنان على أن للقراءة أهمية كبرى في بناء الإنسان والمجتمعات، بل إنها تنمية للفكر والإبداع، ذلك لما ينتج عنها من اكتساب للمعارف والمعلومات الجديدة التي من خلالها يتنور العقل ليصبح عقلا نيراً يضيء للآخرين.
لست هنا بصدد المقارنة بين الشعوب، إلا أنني وجدت أثناء تنقلاتي في مترو باريس، أو الباصات أو القطارات، أو حتى الحدائق العامة وغيرها، ما يثير الانتباه والغرابة، بالنسبة لي على الأقل، لكوني شخصاً عربياً. فقد وجدت أن غالبية الشباب والشابات يستغلون الطريق، سواء أكان سفراً بعيداً، أو لا يزيد عن دقائق معدودات.. فهم عند أول جلوسهم يخرجون من جيوبهم او حقائبهم كتبهم ويبدأون بالقراءة، إذ تجدهم غارقين في الكتاب وكأنهم يجلسون في مكتبة عامة او مكان معزول لوحدهم.. واللافت للانتباه أكثر هو أن يحدث ذلك وسط كل إغراءات التكنلوجيا الحديثة التي غزت العالم. يمكن أن نسمي هذه الحالة بالظاهرة، لأنها فعلاً ظاهرة تستدعي الدراسة والوقوف والتأمل طويلاً.. إذ اتخذت ثقافة القراءة أهمية ومساحة كبيرة جداً في حياتهم اليومية.
توسيع العقل
كلما رأيت شخصاً يحمل في يده كتاباً تذكرت أن أول آية نزلت على نبي الإسلام محمد (ص) “اقْرَأْ باسْمِ رَبِّكَ الذي خَلَقَ”، في الوقت الذي لا نجد فيه شخصاً في بلداننا يقرأ، إلا ما ندر، ولو حصل ذلك فسوف نجده يقرأ ربما درساً علمياً مجبراً على قراءته لاجتياز الاختبار المدرسي.. أما في الغرب فقد اتخذ الناس من القراءة غذاء حقيقياً يوازي الطعام، بل يزيد عنه.. فقد اتخذوا ذلك الطريق من منطلق أن القراءة توسع العقل وتسمح بالتفكير الإبداعي، بالاضافة الى أنها تساعد في تحسين التركيز وعلى التخلص من التوتر، وتمنح القارئ منظوراً أكبر، وتقوي مهارات التفكير التحليلي لتطوير الذات والتعرف على العلوم والثقافات والحضارات، وكسب مهارات التخاطب مع الآخرين، الى آخره من الفوائد التي لا تعد ولا تحصى. وعلى هذا الأساس نجد الناس في الغرب من المقلين جداً في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، لأنهم يعتبرون ذلك ضياعاً للوقت.
قالوا عن الكتاب إنه أروع رفقاء السفر، فقد تجده طاوياً المسافات، يمضي بالوقت من غير شعور، فلا يمل القارئ من طول السفر، بل يتحول عناء السفر الى متعة تأخذ القارئ الى عوالم أخرى، إما في تفاصيل رواية ما، أو كتاب غني بالمعلومات، أو ربما يكون شعراً من الخيال، وهنا يكمن الانتشاء بما يعثر عليه القارئ من فوائد ممتعة وثقافة.
مواقع التواصل
أين نحن من هذا العالم؟ القراءة لدينا محدودة جداً إن لم تكن معدومة تماماً، فقد اقتصرت القراءة على المتخصصين فقط، وخير دليل على ذلك أننا لا نشاهد قارئاً في أي مكان عام، بل حتى أن المكتبات خالية من الناس، كأن القارئ ضاع وسط ركام التكنلوجيا السلبية، مثل التفاهات التي تُبث عبر مواقع التواصل و”التيك توك” وغيرها من الملهيات، التي تستولي على عقول الكثير من الشباب، وأسهمت بشكل كبير في ضعف القراءة وكسب المعلومات العامة.
لا شك في أن القراءة -دون غيرها- هي التي تمنح الإنسان حيوات عديدة، إذ أن فكرة الشخص الواحد هي فكرة واحدة، لكن بالقراءة تتعدد الأفكار والمشاعر والخيالات. كيف نفسر غياب ثقافة القراءة في بلدنا أو في محيطنا العربي بشكل عام؟ هل أن التقصير يكمن في مثقفينا وكتابنا على اعتبار أنهم يكتبون للنخبة؟ أم أن الخلل موجود في البنية التربوية للمجتمع عموماً؟ أعتقد أن الحلول صعبة جداً، فقد يحتاج الموضوع الى إعادة النظر في المناهج التربوية وإشراك المثقفين والكتاب فيها بصفتهم متخصصين، مع التوعية المستمرة لإعداد جيل جديد محب للقراءة يكون على قدر المسؤولية، وهو بدوره سوف يؤثر في الأجيال التي تليه تدريجياً. وهنا تقع المسؤولية على الدولة برمتها، عبر سياساتها الثقافية والفكرية والإعلامية، وهي مطالبة ببلورة الأوساط الثقافية، كما أن عليها أن تولي أهمية لهذه الشريحة من الكتاب والمعنين، فلا تنمية للعقل من دون قراءة، وقد كتب الكثير من المفكرين إن التنمية الثقافية أهم من التنميتين الاقتصادية أو المادية لأي بلد متقدم.