لماذا يخلو العراق وآثاره من أفواج الزائرين؟

210

استطلاع أجراه: علي السومري /

لا يخفى على الجميع مدى عمق العراق حضارياً، فهو أرض سومر وأكد وبابل وآشور، دول وإمبراطوريات حكمت جميع الاتجاهات، وهو موئل كل أسباب التحضر، فمنه انبثق الحرف الأول في التاريخ لتكون الكتابة بعده وسيلة للتواصل بين المجتمع الواحد والمجتمعات والدول المختلفة، وفيه اخترعت العجلة التي سهلت واختصرت أعباء العمل والتنقل آنذاك، وعلى أرضه سُنت أولى الشرائع والقوانين، ودُرست علوم الفلك وقوانين الرياضيات، مثلما انطلقت منه طرق الزراعة والري فكانت أرضه أرض السواد والخضرة والنخيل.
موئل كل شيء
العراق، الوطن الذي تضرب جذوره في أعماق التاريخ، بلد القصيدة الأولى، والملحمة الأولى، والسؤال المعرفي الأول، كيف لا وهو موطن المدنية الأول التي ناهز عمرها أكثر من سبعة آلاف عام.
لكن بالرغم من قِدم هذه الحضارة، إلا أنها لم تستثمر سياحياً على مدى العقود الستة الأخيرة، بسبب الحروب التي ورطنا فيها الطاغية لعقود أربعة، والتعتيم الذي فرضه ذلك النظام على العراق، حتى صار من الصعوبة على العالم اكتشافه أو زيارته أو حتى انتاج مواد إعلامية عنه، كما حدث مع الحضارة المصرية التي استثمرت جيداً في السينما والسياحة والإعلام، لتصبح السياحة واحدة من مصادر دخل الدولة الرئيسة.
لا نتحدث هنا عن السياحة الآثارية فقط، بل يشمل ذلك أيضاً الفشل في استثمار السياحة الدينية، فالعراق كما هو معروف عالمياً يمتاز بوجود العديد من الأضرحة والمواقع المقدسة للأديان السماوية الثلاث، فضلاً عن الأبنية التي ما زالت شاخصة منذ زمن الدولة العباسية التي كانت بغداد عاصمتها قروناً عدة، وكانت فيها قبلة الدارسين والباحثين والمستكشفين العالميين، الذين كانوا يزورونها لينهلوا من علومها في شتى مجالات الحياة.
ومن أجل تسليط الضوء على هذه الموضوعة، استطلعنا آراء عدد من المهتمين والمتخصصين والمثقفين لمعرفة كيفية استثمار هذا التاريخ الحضاري الضارب في القدم سياحياً، ليس على المستوى المحلي، بل العربي والعالمي.
تنويع الموارد
وكيل وزارة الثقافة والسياحة والآثار، الباحث والإعلامي (عماد جاسم) أشار في معرض إجابته على هذا السؤال إلى أن العراق بحاجة ماسة وحقيقية لتنويع موارده، بعد ما حصل من انخفاض هائل في أسعار النفط، ما أثر سلباً في نظام تسليم الرواتب، كذلك الشلل في مفاصل الدولة المهمة، مؤكداً تشخيصه وجود تقصير في تطور قطاع السياحة، يصاحبه غياب خطط الإصلاح على مدى الأعوام الماضية. مضيفاً: “ولا نخفي ذلك، لكن الوزارة اليوم تتبنى خططاً واعدة، بعد اختيار قيادات متخصصة، وبعد تزايد اهتمام الحكومة بدعم هذا المفصل الحيوي الذي من شأنه أن يضيف موارد مالية إذا ما استثمر بشكل جيد، وقد تمت مراجعة العقود السابقة والمبالغ التي استحصلت من بعض المشاريع السياحية، وإجراء تعديلات كبيرة على عقود سياحية مع متابعة حثيثة للفنادق السياحية التي للوزارة حصص فيها، بل أوقف عمل بعض الفنادق، ومنها فندق شيراتون البصرة لعدم قناعة الوزارة بعمله وإيراداته”.
اهتمامٌ إعلامي
أما الدكتور (أحمد شرجي – فنان وأكاديمي) فقد أشار إلى عدم إمكانية النهوض بالواقع السياحي في العراق من دون وضع ستراتيجية واضحة للسياحة، كأن يكون هناك اهتمام إعلامي ترويجي للأماكن الآثارية وغيرها، إضافة إلى إنتاج برامج تُبث في القنوات العراقية والعربية كإعلانات مدفوعة الثمن، مضيفاً: “قد نكون البلد الوحيد في العالم الذي يمتاز بتنوع سياحي مهم، ديني وآثاري، آثار عمرها أكثر من ستة آلاف عام أصبحت مكباً للنفايات وأماكن مهجورة، بسبب عدم وجود خطة لتحويلها إلى مصدر اقتصادي مهم.” مُبيّناً ان مدينة اور وزقورتها الحضارية تحولت اثناء زيارة (البابا) وبعدها إلى (ترند) عالمي، كان الاحرى بوزارة الثقافة، بحسب الدكتور (شرجي) استثماره والعمل على تفعيل البعدين الديني والثقافي لمدينة اور لكي تكون محجة للعالم المسيحي كما فعل البابا، مضيفاً: “لكن ما حدث هو العكس للاسف، وذلك لاننا دائماً ما نبحث عن معالجات ترقيعية ووقتية فقط.”
بلد الالف ليلة وليلة
في حين قالت نائبة رئيس مؤسسة برج بابل الثقافية، والمهتمة بالمباني التراثية في العراق، الفنانة التشكيلية (ذكرى سرسم): “هناك عشرات الالاف من المواقع في العراق، التي تجذب اهتمام السياح في العالم، سواء اكانوا من المهتمين بالاثار والتراث، او بالسياحة الدينية، وهناك أعداد كبيرة تتطلع لزيارة العراق، ويكفينا انهم يعدّون بغداد عاصمة الف ليلة وليلة وان زيارتها حلم لدى الكثيرين منهم.”
اما الباحث والناشط في مجال السياحة في اهوار العراق (احمد صالح نعمة) فبيّن في حديثه لنا ان الاهتمام بالسياحة بحاجة ماسة الى خطوات عدة، منها إصدار دليل سياحي وطني يعتمد جميع المواقع العراقية المهياة سياحياً، فضلاً عن ترميم المرافق السياحية والبنى التحتية لتكون جاهزة لاستقبال افواج السياح، مشدداً على ضرورة توجيه الدعوات لممثلي سفارات الدول في العراق من اجل حثهم على دعوة شركات بلدانهم السياحية لزيارة العراق.
تقصير المؤسسات
وبشان طرق استثمار السياحة في العراق، لابد من طرح سوال مهم، هو: (هل توجد لدينا ثقافة سياحية في العراق؟)، سوال اجاب عنه الاستاذ عماد جاسم قائلاً: “الثقافة السياحية تحتاج إلى تثقيف مجتمعي، ولابد ان يكون للاعلام دور في ذلك.” مشيراً إلى وجود تقصير من موسسات الدولة ايضاً، وأننا بحاجة الى عمل تضامني يشترك فيه المجتمع المدني، وايجاد تشريعات جديدة لهذا الامر، ومناهج تدريسية تدرب الصغار على فهم معاني السياحة، وجعلها مهمة وطنية وفاعلة.
اثار منسية
وفي معرض إجابته عن هذا السوال، قال الدكتور احمد شرجي: “نمتلك سياحة دينية، لكنها بدون تنظيم، قد تكون مصدر عيش للايدي العاملة واصحاب المحال التجارية، لكنها بدون اي دخل مالي.” مشيراً الى ضرورة أن يكون استثمار السياحة الدينية استثماراً حقيقياً، بفرض مبالغ معقولة على سمة الدخول. لانه بغير ذلك ليست هناك ما تسمى بالسياحة، بحسب (شرجي)، مضيفاً: “اثارنا منسية ولم يزرها ابناء البلد، بسبب عدم توفر ادنى وسائل الترفيه من حولها كالمقاهي والفنادق الراقية،” متسائلاً: “ان كان ابناء البلد لا يستطيعون زيارة اثارهم بسبب هذه المعوقات، فكيف يزورها السياح من خارجه!؟”
شركاتٌ سياحية
في حين نوهت السيدة ذكرى سرسم إلى وجود خلل في هذا الجانب، وان المشكلة الاولى التي تقف بوجه حركة السياحة الخارجية، هي موضوع (الفيزا)، سمة الدخول الى العراق، التي عدّت حصول العرب والاجانب عليها مهمة صعبة أو شبه مستحيلة، وذلك لان هذه الإجراءات بحسب (سرسم) قد شابها الفساد ايضاً، مضيفةً بان: “سعر الفيزا لدخول العراق وصل الى الف دولار اميركي!”
اما الباحث احمد صالح نعمة، فاكد في حديثه امتلاك العراقيين لثقافة سياحية، وان عشرات، بل مئات الشركات السياحية تعمل منذ فترة وحتى اليوم في كردستان وتركيا وايران ومصر وسوريا وغيرها من البلدان، وان العراقيين غالباً ما يلجأون للسفر الى خارج البلد بسبب عدم استكمال المرافق السياحية في العراق.
تسهيلات المستثمرين
ندرك جيداً ان ملف استثمار السياحة في العراق شائك، وان الشروع فيه ربما يكون كالبداية من الصفر، وذلك بسبب افتقارنا للبنى التحتية التي تسهم في إنعاش السياحة، لكن ما الذي نحتاجه من بنى تحتية لانعاش هذا المورد الاقتصادي؟ سوال توجهنا به لمن استطلعنا آراءهم.
وكيل وزارة الثقافة والسياحة والاثار، الباحث والاعلامي عماد جاسم، اوضح في معرض إجابته على هذا السوال ان انعاش السياحة مسوولية الجميع، منه ما يقدم كتشريعات، اضافة لتقديم التسهيلات للمستثمرين، وتقليل العوائق التي تضعها وزارة المالية، وفتح آفاق التعاون بين الوزارات، من اجل تمكين السياحة وموسساتها من مدّ جسور التعاون الفاعل مع دول العالم، وحث المحافظات والوزارات الخدمية، على تحسين الواقع الخدمي، واقامة مشاريع تدعم نشاط السياحة في محافظاتهم ومدنهم وفي العراق عموماً.
رعبُ السلاح المنفلت
اما الفنان والاكاديمي، الدكتور احمد شرجي فتحدث عن هذه الموضوعة قائلاً: “نحتاج كل شيء، لاننا لا نمتلك اي شيء! ليست هناك بنى تحتية يمكنها ان تسهم بنمو السياحة في هذا البلد، معللاً ذلك بأن الحكومات المتعاقبة انشغلت بحجز اماكنها، وفرض نفوذها، ولم يعنِها يوماً تطور البلد، مضيفاً: “يجب أن تختفي الجماعات المسلحة من الشارع العراقي، لانها مصدر ترهيب للسياحة في العراق، وهو ما توكده التقارير والاخبار المبثوثة عبر وسائل الاعلام المحلية والعربية والعالمية، المقروءة منها والمسموعة والمرئية.”
انعدام الخدمات
في حين قالت نائبة رئيس موسسة برج بابل، السيدة ذكرى سرسم: “إن كثيراً من المواقع السياحية تفتقد الى أبسط المقومات والخدمات، منها على سبيل المثال، عدم وجود علامات دالة على المواقع السياحية في الطرق الخارجية والداخلية، وغياب المرافق والبنى التحتية التي تسهم في جذب السياح او تهالكها إن وجدت، وانعدام وجود اكشاك واسواق مخصصة في هذه الامكنة، معاناة تصل احياناً إلى البحث عمن يبيع قناني ماء الشرب فيها”!
الباحث والناشط في مجال سياحة الاهوار، احمد صالح نعمة، اوضح في إجابته اهمية تهيئة الفنادق لاستقبال ضيوف العراق، وإعادة تاهيل المرافق السياحية وفق الطرز الحديثة، فضلاً عن تاهيل البنى التحتية وهندسة انارة المواقع الاثرية لتكون عامل جذب للسياح، فضلاً عن بناء مراسٍ للزوارق المخصصة للرحلات السياحية في اهوار البلاد.
غيابُ التشريعات
معوقات عدة واجهت السياحة واستثمارها في العراق، طوال عقود منصرمة كالحروب الطويلة الامد والحصار الاقتصادي، وانتشار افة الارهاب فيه، أسهمت ليس في تراجع السياحة فحسب، بل في اندثارها في البلد. عن بعض هذه المعوقات يتحدث الاستاذ عماد جاسم قائلا: “ان معوقات تنشيط السياحة تكمن في البيروقراطية في بعض الوزارات والموسسات، يضاف اليها غياب التشريعات الضامنة او المحفزة لتطوير هذا القطاع المهم، وغياب الفهم المشترك لهذه الاولويات.”
اصوات حقيقية
اما الدكتور احمد شرجي فاوضح في حديثه ان هناك عدم جدية من الحكومات المتعاقبة لتطوير السياحة، مشيراً الى حاجتنا لاصوات حقيقية تبحث عن مصادر اقتصادية غير النفط، والى عقول منتجة لا تنظر إلى شعر المراة باعتباره (عورة)، ويرعبها تنوع السياح. مذكراً باهمية ان تولي وزارة الثقافة موضوعة السياحة الرعاية والاهتمام، وذلك بوضع خطة للنهوض بها من قبل المختصين، وليس كما حدث اثناء زيارة (البابا) لمدينة اور، إذ بيّن ان المسوولين هناك وضعوا مولدة كهرباء اضاءت اثار اور، ورفعت بعد انتهاء هذه الزيارة. منوهاً الى اهمية ان تتدخل الحكومة لفتح الاستثمارات الفندقية ومدن الملاهي والمطاعم والمقاهي حول الاماكن السياحية، وانشاء طرق حديثة توصلك إلى الأماكن الاثارية التي يفترض ان تتوفر فيها وسائل الراحة للسياح، مضيفاً ان مشكلتنا تكمن في تخثر العقول المنتجة، ولهذا فنحن نهتم للاسف بخلق الازمات فقط!