ماسر البيت الذي ابتناه جاك؟

689

مقداد عبد الرضا /

بداية سبعينات القرن المنصرم منعت الرقابة في السينما والتلفزيون عرض الافلام التي تحتوي القصص فيها على الجريمة والقتل, واتذكر ان التلفزيون منع عرض الفيلم الروسي “الجريمة والعقاب” المستل من رواية دوستويفسكي بنفس الاسم, الكثير من الناس رحبت بهذا المنع, كان عصرا رومانسيا بامتياز لاتتلاءم معه صور العنف, لو حاولنا الان ان نمنع افلام العنف والجريمة فماذا سيظل للمشاهد من متعة؟ الدم هو الفارس الاول في زماننا هذا, نحن بحاجة الى جرعة من الرومانسية, احسب ان البعض من القراء سيضحك من طلبي هذا, لابأس من ان نحلم.
بعد سنوات (عجاف) سبع ابتعد فيها قسرا المخرج الدنماركي ورئيس مجموعة الدوكما (1995),الابتعاد كان بسبب كلماته اللاذعة التي صرح بها ضد السامية, عاد في اخر دورة من دورات المهرجان 2018 حاملا معه واحدا من اهم افلامه جزعا والما, فيلم دفع بالقاعة ان تقف وتصفق كثيرا اولا للترحيب وثانيا لفيلمه (البيت الذي ابتناه جاك), لكن الحذر ظل قائما حيث وضع المهرجان الفيلم خارج المسابقة الرسمبة, لكن ذلك لم يثن النقاد والمتابعين من الانتظار, انتظار الفيلم والحضور المكثف في القاعة لمشاهدة ماجاد به خيال هذا المخرج والذي يجيز لنا ان نسميه المخرج الدموي, ففي اغلب افلامه ظل هاجس الدم والقتل يلازم كل ما انجز
-هل تسمح بسؤال؟
-اشك في انني ساجيب
-وهذا ماكنت افكر فيه
-هل يسمح لك بالتحدث ؟
-اثناء الطريق ؟
-كنت افكر قد تكون هناك قواعد
-دعني اقول لك شىء
-القليل جدا يمكن ان يقطع الطريق دون ان يتفوه بكلمة
-لاحاجة للناس احيانا ان يتحدثوا لنا عن رحلاتهم وهذا ربما يكون في منتهى الدقة, هكذا توضع السعادة في الطريق الصحيح, ليس هناك من حاجة ان تتحدث احيانا.
بداية الفيلم تبدا في هذا الحوار على شاشة سوداء,سنكتشف عند نهاية الفيلم ان الذي يحاور جاك هو فيرج, من هو هذا الفيرج, هل هو شيطان الاضطراب الذي يعاني منه جاك ام انه ملاك الجمال الذي يسعى اليه من خلال قتله لضحاياه؟ هل هو فيرجيل دانتي في جحيم سفره؟.
قاتل ومهندس ومهووس بالنظافة,يزيح دم ضحاياه بلذة وبدقة متناهية, هل هو ذلك الطفل الذي بدأ بقطع ارجل صغير البط بلذة متناهية؟ يحلم جاك ببناء بيت له بعيدا عن الناس لكنه سرعان مايقوضه ويعيد البناء, ليس هذا هو البيت, انه شكل اخر سنراه في النهاية مصنوع من جثث الضحايا والذي, يدخله “فيرج” ويصطحب معه جاك الى الجحيم, هو اذا جحيم دانتي يصور ضحاياه ويتلذ بسالب الابيض والاسود لكنه حينما لايرضى عن بعض الصور يستخرج الجثث من الثلاجة ويعيد التصوير مرة اخرى, هوس مفزع, يقسّم المخرج الفيلم الى خمس قصص خمس جرائم لا على التعيين توضح لنا طرق القتل التي قام بها جاك, ولعل اسم جاك ماخوذ من ذلك السفاح الذي روع مدينة لندن بقتله للنساء بداية القرن الماضي
هل يمكن لفيلم ان يكون جزعا وسرا في آن؟
احد الطرق النائية توقف ايما ثورمن (لاتحمل اسما في الفيلم) جاك كي يساعدها في تصليح اطار سيارتها المثقوب, برافع الاطار (الجك) يلطمها ويقودها الى حاضنته المجمدة, كلير التي تعيش في مكان ناء يثقب قلبها ويسحلها الى تلك الغرفة, ذلك السحل يشكل خطا من الدم يمسحه المطر العظيم.
-“المطر العظيم بلذة متناهية يغسل اثار الجمال الذي قمت به, يغسل طريق هروبي الطويل, المطر العظيم بركة انه يدفع بي الى القتل, القتل نوع من انواع التحرر, الحلم في الاعالي”.
القتل الثالث، زوجته وطفلاه في نزهة قصيرة, يوجه لهما بندقيته ويتم القتل.
-ليس الشكل هو المهم بل الانجاز
يعترف جاك لجاكلين بانه قام بذبح 60 شخصا وبعد دقائق سيكون 61, يطلب جاك من جاكلين ان تصرخ حتى تنقذ نفسها, تصرخ ويصرخ كذلك هو وكانما يريد ان يلقى القبض عليه ويتخلص من هذا الدم الذي يسيل بين يديه, في هذا العالم الموبوء لا احد يمد يد العون, يرسم جاك بالقلم الاحمر خطين دائريين حول ثديي جاكلين, يضع الاول فوق زجاج سيارة الشرطة والثاني يستعمله كمحفظة نقود, مجموعة من الضحايا ينتظرون الموت برصاصة معدنية واحدة, جاك يهدف حول الرؤوس, يظهر “فيرج” فجاة في القاعة ليقوده الى الجحيم من خلال البيت الذي حلم جاك به, دهليز بوابته الضحايا وضعت وكانها لوحة من لوحات عصر النهضة, “فيرج” يخبر جاك بانه كان معه في كل جريمة قام بها ليستعيد جاك تلك الجرائم موضحا وجود “فيرج”,الجحيم, لقد حاول البشر ومنذ الاف السنين تدجين الجحيم, لاينبغي على المرء انتزاع الصراخ لان صرخات الم الملايين تعادل كل ما يسمع الان, انه الطنين الذي يقود الى الدمار، الموت والدم, جاك يحاول العبور من الجحيم الى الطرف الاخر, لم؟ هل في محاولة للخلاص والبعث من جديد بصيغة اخرى ام هو التطهير, كثيرون حاولوا العبور لكنهم فشلوا, يضع جاك يده بيد “فيرج” مودعا, يحاول العبور لكنه في النهاية يسقط في الجحيم, برع المخرج والكاتب “لارس فون تيرير” في تسليط الضوء على عالمنا المضطرب هذا, اننا بلذة متناهية نراقب الناس وهم يتعذبون, “مات ديلون” (جاك) برع كثيرا في تجسيد الشخصية السايكوباثية بقلقها وتوتراتها, اظن انه واحد من افضل ادواره على الاطلاق, ربما لايميتنا الموت, الخوف والفزع هما اساس الدمار, الموت, من هو جاك في النهاية؟ اغلبنا,الغرور, السوقية, التهور, الوقاحة, الانانية, الذكاء, الجمال والجريمة, العالم بحاجة الى اعادة تاهيل, ربما الى حرب كونية ثالثة.