محمد كاظم جواد يطلق قبلاته الثرثارة في “بريق أسود”

160

#خليك_بالبيت

شكر حاجم الصالحي /

كلما أقرأ جديده تترسّخ في ذهني مجموعة من القناعات التي تجدد ما قلته في نتاجه من قبل، فهو شاعر يتقن استخدام أدواته بمهارة لافتة للنظر، ونصوصه كاشفة عن ثقافته المتراكمة وسعة تجاربه الحياتية التي تشكّل مهاد موضوعاته المختلفة، وهو حريص على أن ينجز نصوصه بعيداً عن صخب الوسط الثقافي ومناكداته وعلاقاته المتشابكة ولذا لم يحظَ باهتمام نقدي يلاحق تجربته الإبداعية الغزيرة، رغم أنَّه من المشتغلين المثابرين منذ أكثر من أربعة عقود ملأها بنتاجات مهمة في أدب للكبار، وأزعم أن محمد كاظم جواد يتصدّر (الآن) مع قلة لا تزيد على عدد أصابع اليد الواحدة، ساحة الكتابة للطفل، وهذا ما تؤكده إصداراته الأنيقة التي احتكرتها دور نشر معروفة في بيروت والشارقة وفلسطين ودبي تهتم بهذا المجال من الثقافة المتخصّصة، دع عن كل هذا إبداعاته الشعرية والقصصية التي أصدرتها دائرة ثقافة الطفل في بلدنا العراق وها هو في مفتتح (2018) يتحفنا بمجموعته الشعرية الجديدة ((بريق أسود)) ليؤكد حضوره الفاعل وانصرافه الجدي لمشروعه المعرفي الجميل، في هذه المجموعة الصغيرة التي ضمت أربعين نصاً برهن محمد كاظم جواد على اتقانه ومهارته وهذا ما تجسَّد في حسن اختياره لعنوانات نصوصه الثرية بقدراتها التأويلية التي تمنح القارئ فرصة التأمل والتفحص المفضي إلى فك شفراتها والتماهي معها بفاعلية منتجة.
تجلي المعنى وانثيال المشاعر
من بين عنوانات (بريق أسود) التي تشير إلى مهارة الشاعر تتألق نصوص: وقت موزون بالشك، أكتشف بقايا صمتك، قبلات ثرثارة، هديل صامت، ضباب، رشفة، مأوى، على قلق، نصوص، ولا يعني أنّ هذه النصوص تستحق وحدها التوصيف والدلالة على المهارة، ولكن اختيارها ــ للتمثيل ــ وليس للتخصّص، وسيتوضح ذلك من خلال الشواهد النصية التي تكون ميدان قراءتنا التذوقية هذه، وحتى اختيار محمد كاظم جواد لعنوان المجموعة ((بريق أسود)) يؤكد زعمنا بشأن مهارته بل وتفرده، فهل أحسسنا ولمسنا ورأينا بريقاً أسود في حياتنا؟ فهو يخلق تضادّاً منتجاً للتأويل في بريق ــ أسود الذي لا وجود له في الواقع وإنّما أوجده الشاعر في مخيلته الخصبة، فالبريق هو اللمعان كما نعرف، والبرق فعل الطبيعة ولا صلة بينهما، وهنا تنتفي صفة السواد عن البريق في كلا الحالتين، ومن هنا يكشف محمد كاظم عن إدراكه ووعيه لما يقول وما يكتب ….
في (مفتتح) ص 5، يوجز الشاعر مضامين نصوصه جميعها، وكأنّه أراد أن يقول للقارئ إنّ (بريق أسود) كلّها مؤسّسة على هذه المحاور التي تضمّنها المفتتح المشار إليه فهو يكتب:
دائماً … أفكّر أن أستنشق عطر النسيان ،/ مع اني أمتلك ذاكرة متوقدة /
قد تشتعل سريعاً، / مخلّفة وراءها حرائق / تصل إلى حدود الهذيان /
أحياناً أقرّب زهرة النسيان / وحينما أشهق ، أشعرُ بعطبٍ، / في جهازي
التنفسي / فأحتاج إلى من يسعفني / بتنفسٍ اصطناعيًّ / أعرف أنّي لن أتنفس ثانية /
إلا بقبلة الحياة … /

هذا المفتتح الدائري الذي تتلاحق فيه الأنفاس للأمساك بلحظة تجلّي المعنى وانثيال المشاعر الراعفة يلخص محنة الوجود الانساني المندمج بالآخر، ولذا فإنّ محمد كاظم جواد يوجز رؤية التصاقه بمن أحب واختار لرفقة الدرب، فهو من يحتاج في كل الاوقات إلى من يسعفه بقبلة الحياة التي صارت جرداء من غير من يحب، ولن يجد مبتغاه بدونه …
وفي نصه ((حين أقول أحبكّ)) يتوهّج كاشفاً عن مكنوناته، معبّراً عن تفاصيل تجربة حقيقية، أراد أن يشرك الآخرين بمعطياتها الراشحة بصدق لا غبار عليه:

حين أقولُ أحبكّ
تتطاير في قلبي فراشات بيضٍ
وتحطُّ على وردتك بهدوء
حين أقولُ أحبكّ
يرمي النورس ريشته
فتتلقفها موجةٌ صغيرةٌ
تأبى أن تصل الساحل
إلى أن …. يختتم مواجعه:
حين أقول أحبك
تسقط من عينيك دمعةُ وجدٍ
وتزيح الغيم عن الشمسِ لتشرقْ
قبلات ثرثارة

محمد كاظم جواد بتكراره المحبّب لجملته التوكيدية، (حين أقول أحبك) أراد أن يلقم المشككين والمتربصين علقماً لكي يكفّوا عن مراهناتهم فلن يحصدوا غير الخيبة والخسران، فالشاعر/ الانسان واثق بشريكه، لن تثنيه عن محبيه الأقاويل المغرضة والترهات المفبركة… ولكل هذا اليقين والوثوق حرارة التفاعل والتشارك الخلّاق الذي كان وراء إبداع هكذا نص طافح بالمشاعر والنبل.
وفي (قبلاتٌ ثرثارةٌ) يواصل محمد كاظم جواد تألقه:
سأقبلّك وأنا أرتعشُ / من فرط وضوحي …
حين تحطّ على شفتيك النحلة / وتترك خيطاً من عسل حار/ سأسارع إلى ارتشافه/ عندئذٍ سأصطدم
بلهيب القبلات ….
عندما ارتشفت أول قبلة / ضاعت شفاهي
اليوم لا لغةٌ عندي / سوى لغة القبلة
ويختم قبلاته المتلاحقة بــ :
حين تغطّين ، في نومٍ عميق / سأوقظك بالقبلة

ومن نصوص (بريق أسود) التي أوجزت المعنى المراد في سطور قليلة نصه الباذخ (صمت) ص 59 الذي يقول فيه:

عندما يصدأ قلبي
أنتقي الحزن النبيلْ
وأغنّي لدموعٍ
كسرت صمتي الثقيلْ
أنا ياما،
نزفت روحي ولكنْ
كنت استنجد بالصبر الجميلْ
فمتى أغسل روحي ؟
مطرُ الدمع عصيٌّ وقليلْ

نصوص فاضحة ومكثفة
وهكذا يكون الشعر الذي يخبزه تنور التجربة الوجدانية ومواجعها، ودائماً يتألق محمد كاظم جواد في نصوصه المكثَّفة الفاضحة التي تسيل ألماً وتمطر حزناً وانتظارات قلقة، وفي نصوص ( ص81 ــ ص89 ) يذهلنا باحتراقاته واعترافات تجربته ومتراكماتها اللذيذة، يكتبها على شكل أيقونات مكتملة المعنى، غنية الدلالة والتأثير وسأختار لكم بعضها كنماذج معبرة عن العمق والثراء، وأدع قلوبكم تتلظّى معها في ختام هذه القراءة التذوقية التي لن تكون بديلاً عن قراءة نقدية تعتمد التخصص، اتمنى أن ينبري لها ((نقاد)) زمننا هذا، فتجربة الشاعر المبدع محمد كاظم جواد تستحق الدرس الأكاديمي والإضاءة المنهجية بما يمنحها استحقاقها الجديرة به:
الخلاصة عسل الكلام
والبكاء صرخة السكوت
ــ ص82
و ……..
أعرني خوذة الربيع
لأحارب بهدوءٍ
ما تبقّى من أشلائي
ـــ ص84
و ……..
للأعمى شهوة الطريق
ستلقنه العثرات دروس العزلة ……….
ص ــــ 86
وأخــــــــــيراً:
سأكتفي بقدرٍ قليلٍ
من الصمتِ
وأكتوي بحريق هائلٍ
من الأسئلة ………
ص ــــ 89
وفي الختام شكراً لك أيها الرائي محمد كاظم جواد وشكراً لنزيف مواجعك في (بريق أسود) فقد أمتعتنا رغم ما فيه من مكابدات تنضح شعراً جميلاً .

النسخة الألكترونية من العدد 362

“أون لآين -5-”