مسرحية “وقت ضايع” لـ تحرير الأسدي: الكونيّ حين يكون عراقياً

400

أحمد عبد الحسين/

لطالما كانت ثنائية الكونيّ ـ اليوميّ عماد كثيرٍ من الأعمال الأدبية والفنية، فالمواءمة بينهما واللعب على المفارقة التي تتولّد من تلاقيهما أو امتزاجهما ينشئان طاقة إيحائية كبيرة، ويدفعان بمحركات التأويل إلى مديات قصيّة،
فالتنزّل من الكونيّ وأسئلته المغرقة في التعالي إلى أسئلة الحياة المغرقة بشؤون وتفاصيل يومية معاشة هو في حدّ ذاته دراما يمكن استثمارها على نحوٍ يتطابق مع الدراما الإنسانية بجنبتها الفلسفية ـ الوجودية كما عند هايدغر وسؤالها الذي استغرقه عمره بأكمله (لماذا كان الوجود ولم يكن العدم؟) بنفس الكيفية التي يمكن استثماره بها وصرفه ليكون مادة كوميدية ساخرة مما آل إليه مصير الإنسان على هذا الكوكب.

ننسى أم نتذكر؟

العرض المسرحيّ “وقت ضايع” لمخرجه تحرير الأسديّ يتقوّم باللعب على هذه الثنائيّة “كونيّ ـ يوميّ”، تلك الثنائية التي منحته مساحة واسعة لتسريب الأسئلة الفلسفية الكبرى وتضمينها والمداورة بينهما والانتقال من ضفة الكونيّ إلى ضفة اليوميّ في لعب فنيّ ذكيّ ومدروس.

“نسيان الوجود” الذي تحدث عنه هايدغر مطوّلاً بوصفه البدّ اللازم للوجود، كان مفتتح “وقت ضايع” وخاتمتها، فالنسيان يبسط ظلّه الثقيل على الشخصيتين الرئيستين، يبدآن العرض متلبسين بنسيان هوية أحدهما الآخر، ثم نسيان كلّ واحد منهما هويته الشخصية، ثمّ نسيان أنهما متزوجان، فنسيان من أين جاءا. ليباشرا رحلة البحث عن أصلٍ ما لوجودهما في وقائع التاريخ والأسطورة المغرقة في القدم، كخروج آدم من الجنّة، ثمّ رحلة سفينة نوح ومغامرة كلكامش في بحثه عن الخلود.

خطيئة أصلية

هما آدم وحواء. آدم “الممثل البارع رائد محسن” يلقي باللائمة في منغصات الوجود ومرارته على الكبير الذي خلق هذا الوجود وهندسه على هذه الشاكلة “يسميّه النصّ صاحب الشقّة في الطابق الأعلى، وهي تسمية لم تكن معادلاً موضوعياً ذا بعدٍ إيحائيّ عميق نظراً لبساطتها”، بينما تعمد حواء “الفنانة القديرة آسيا كمال” إلى قبول المصير الإنسانيّ بوصفه خيار الإنسان ذاته، وعليه واجب تحمّل خياره الذي جعله توّاقاً إلى المعرفة “أكل التفاحة التي فتحت أعينهما وجعلتهما يعرفان”، والمعرفة صنو الخطيئة، هذا درس أسطورة الخلق في كلّ الثقافات، وهو درس يتبناه العرض ويكرره وينوّع عليه.

سؤال الأصل

وفي الوقت الذي يصرّ آدم فيه على نسيان وجوده، تلحّ حواء على إدامة التذكّر. دعوتان للتذكر والنسيان تتناوبان على إنشاء هذا العرض وهما النازعان الأشدّ وضوحاً في ذات كلّ إنسان، وبتقابلهما على هذا النحو تكتمل دراما الإنسان المقذوف به في هذا الوجود “المتاهة بحسب العرض”، التي لا مخرج منها إلا بالموت.

السؤال عن الوجود ينتقل تلقائياً إلى السؤال عن الأصل، أصل هذا الوجود، لا لاستيعابه أو التغنّي به بل لإيقافه. ترغب الشخصيتان في معرفة الأصل لتلافي مصيرهما اللاحق، المصير الذي يعطيه “تحرير الأسديّ” بوصفه كاتب النصّ، بعداً محلياً، فالكونيّ يغدو عراقياً، وكلّ ما يحدث من مأساة إنسانية كونية إنما يمكن اختصارها بما مرّ على هذا البلد الذي أخطأ الخطأ الآدميّ الأول، حين عرف نفسه وفتح عيون الإنسانية من بعده لتكون عارفة.

مماحكة

يتجرأ العرض على المماحكة مع الدينيّ من دون إفراط، ومن دون أن يجعل ذلك شغله الأساس، ففي طرح رهانات الوجود لا بدّ من المرور بالدينيّ، وبالخالق تحديداً، وكان هذا المسّ الدينيّ في العرض موحياً وطريفاً في بعض الأحيان، ما استدعى ضحك الجمهور وتصفيقه.

شطرنج المصائر

قد يكون من متبنيات المؤلف ـ المخرج، الخلاصُ من كلّ هذه الأسئلة المقلقة بجعل الحياة لا استذكاراً ولا نسياناً بل مجرد لعب ليس إلا، يقوم آدم وحوّاء بتحويل ما عاشاه وما خبراه إلى لعبةٍ غامضة، أشبه ما تكون بشطرنج المصائر، لكنّ الجملة التي توقف هذا اللعب جاءت على لسان آدم “أننا لسنا لاعبين بل أدوات لعب، نحن لا نلعب في الحقيقة بل يُلعَبُ بنا.”

الكون عراقيّ

الفاصل ضئيل للغاية بين الكونيّ والعراقيّ، بين الوجود بإطلاق والوجود هنا على هذه الأرض، وجود الإنسان بوصفه الخطّاء الأكبر والذي تخالط أخطاؤه حياته بأكملها، هذه الحياة التي ستستمرّ على هذه الشاكلة “حواء حامل من آدم ما سيجعل الحكاية تتكرر في عود أبديّ لا ينتهي”.

تفاحة المعرفة

ينتهي العرض بتناثر كمية كبيرة من التفاح على خشبة المسرح، نسلُ آدم المتكاثر وكلّ يحمل أيقونة الخطأ الأصليّ “التفاحة”، ثم يسود ظلام على صورة تفاحة واحدة متدلية من السقف إشارة إلى المصير الفرديّ لكلّ منا، وهو مصير متلبّس بما هو كونيّ أيضاً. تفاحة الخطيئة التي نتحمّل وزرها تنتظرنا في كل منعطف.

المعادل الصوريّ نال اهتماماً أقلّ من لدن المخرج مما نالته الفكرة التي تمسك النصّ، ويبدو أن المؤلف الذي عند “تحرير الأسديّ” هيمن على المخرج فيه، فكان مشدوداً إلى تتبع الأسئلة مع إغماض على تكوين معادل صوريّ لهذه الأسئلة.

خبرة
تبدو الشخصية الثالثة “الممثل محمد بدر” غير مفهومة وغير مبرّرة، وظهرت في العرض ناتئة، وكان يمكن الاستغناء عنها دون أن يحدث ذلك تغييراً يُذكر.

الأداء البارع لآسيا كمال ورائد محسن بخبرتهما التي لا غبار عليها كان رافعة مضافة لإنقاذ العرض من كونه مجرد سجلّ لأفكارٍ عن الوجود والتذكر والنسيان.