مظفر النواب يتلألأ في ضمائرنا

513

قحطان جاسم /

” روحي ولا تكَلها: شبيج وانت الماي
مكَطوعة مثل خيط السمج روحي
حلاوة ليل محروكَة حرك روحي
حمرية كَصب مهزومة بالفالة ولك روحي
وعتبها هواي…
لا مرّيت…لانشديت…لا حنيت
وكَالولي عليك هواي
وعودان العمر كلهن كَضن ويّاك
يا ثلج الي ما وجيت
تعال بحلم…,أحسبها إلك جيّه واكَولن جيت بهذه الكلمات خاطب البروفيسور قاسم حسين صالح جمهور مؤتمر مظفر النواب الذي عقد في السليمانية تحت شعار (مظفر النواب يتلألأ في ضمائرنا). بدأ المؤتمر بكلمة الدكتور ابتسام اسماعيل رئيسة مركز كلاويز الثقافي. ثم انطلق صوت المفكّر د.عبد الحسين شعبان ليلقي كلمة باذخة في محتواها الأدبي والعاطفي وتعاطف معها الجمهور. ثم قُدِّمتْ ستة بحوث للدكتور قاسم حسين صالح بعنوان (التحقير الجنسي في شعر النواب السياسي)، وبحث د.عمار المرواني (عندما السرد ملاذا… والنواب يرى) ود.غزاي درع الطائي (مظفر النواب شاعر العشق والضياء والأغاني)، ود.سعد الحسني (صليب اللغة الشعرية) قدَّمه بدلا منه الشاعر حسن عبد الحميد الذي كان همزة الوصل الجميلة بين جميع المشاركين واستطاع أن ينسق مع الجميع لإنجاح المؤتمر، والشاعر كاظم غيلان (الثورة تراثاً ومعاصرة في شعر العامية، النواب انموذجا)، ولكاتب هذه السطور (شاعر العشق والثورة والتمرد).
وبين البحوث تألق صوت المطرب صباح وفرقته بأداء أغاني مظفر النواب التي غنّاها ياس خضر وكذلك غنّى مقطعا من أغنية “الطيور الطايرة” بحضور ملحنها الكبير كوكب حمزة الذي اصطحبه د.قاسم وجاء به إلى المنصة وطلب منه تأدية مقطع من الأغنية، فألهب حماس الجمهور بصوته المغرد الذي انطلق إلى عنان السماء.
لا يكون الشاعر مبدعا الا بعد معاناة
البروفيسور قاسم قال في بحثه :- تعود علاقتي بمظفر النواب إلى ستينيات القرن الماضي يوم (استضفته) في سجن بغداد المركزي قادما من (نقرة السلمان) وشاركني فراشي في مخزن بطول (3ْْ × 4م) كان يضمّ مكرم الطالباني والمقدم عبد النبي قائد قوات المظليين ومدير الخطوط الجوية العراقية.. وأنا الذي كنت أصغرهم بكثير.. وكنّا نسهر وهو يغني ويعزف على العود بلسانه!..لدرجة أنّ العريف (ابو سكينة) حارس السجن كان يأتي ويشاركنا الغناء بطور داخل حسن.. وكانت تلك من أجمل ليالي العمر.. وإن كانت في أقسى سجن!. لا يكون الإنسان شاعرا مبدعا الا اذا عانى حالة تناقض الضد وضده النوعي في داخله.. تلك هي نظريتنا السيكولوجية الخاصّة… وانموذجها التطبيقي هو مظفر النواب..نوجز دلالاتها في خمس: الأولى: ثراء وعز.. فقر وذل والثانية ابن عائلة دينية إلى شيوعي والثالثة بين حب الحياة.. والإعدام والرابعة ثقافة الجمال وثقافة القبح والخامسة عشقه للعراق ونفي منه.
النواب أعاد الشعر إلى نفسه
في حين قال الشاعر كاظم غيلان: (كان للعراق موقع الصدارة الحقّة في حركة الشعر العربي على يد السياب والملائكة وبلند الحيدري والبريكان والبياتي، تزامنا مع تلك الفترة جاءت للريل وحمد على يد مظفر النواب بعد مرحلة من التخلف والترهل. إن حركة التجديد في الشعر العربي التي بدأها من فتحه الحداثوي لم تكن مجردة عن التراث. وهذا ما أغفلته معظم الدراسات النقدية باستثناء الاكاديمي كريم محمد حمزة. وأهم ما يوصف به النواب أنَّه شاعر أعاد الشعر إلى نفسه بعد مرحلة تخلف. على أنّ حركة التجديد الشعري التي تحسب ريادتها للسياب لا نقاش فيها، ومثل هذه المهمة لا يمكن أن ينتبه لها شاعر دونما امتلاكه الخلفية الفكرية التقدمية والثقافة العالية والموهبة الكبيرة. وكانت الشرارات الأولى في تجربة الريل وحمد هي قدحات الفتح الاول المدهش لإفراغ القصيدة الشعبية من طابعها التقليدي وسلفيات الترهل. ويعد الجمالي هو المتن المرافق للسياسي إلى حد التماس بل ويذهب أحيانا لاستخدام اسم الثائر كدلالة تراثية للثورة في جانبها المعاصر.كما انه اقام علاقة انسجام نبيلة مع قضاياه الحياتية ونضاله بدءا من الريف وصولا إلى فلسطين وظفار.. وهي حالة قلما تجدها في الشعراء. ختم غيلان بحثه بهذه الأبيات من شعر النواب:-
“اكلج جني اسمع ليل يم عشره وزمر زركه
يصيح ردوا وازامط بيهم الله وشرطة الزركه
انه اختك
ولج سعده…يسعده اشجابج لموتي؟
وشبكها وعاتباها
وريح التفكه اعله الصدر
حجام البريس
دعن الربعات كلهن
والحمامات الحمر كالن عبر….مغضب عبر
طفر الغراف بالمهرة الحليبية
اللي شوفتهه سفر
بلل اجروحه ومسح بهداي كصة الثار
بمية النهر”
كفكف الحزن عن الشعراء الشباب
وجاء في ورقة كاتب هذا التقرير: إن النواب استطاع أن يزاوج بين الشعر العامي والفصيح وأوجد نسقا جديدا في الشعر الشعبي الحر. واتذكر أنَّني حضرت مهرجانا للشعر الشعبي في دمشق مطلع عام 2004 حضره النواب. وقد قام بموقف نبيل تجاه الشعراء الشباب الذين لم تتح الفرصة لهم للقراءة أمامه في المهرجان، ولمّا وجد الحزن على محياهم خاطبهم أنّه سيحضر للفندق في اليوم التالي، وسيسمع قصيدة كل من لم يقرأ. وفعلا جاء وقضى ساعات طويلة يسمعهم. وقال لهم سالتقط صورة مع كل واحد منكم وليس صورة جماعية كي تبقى للذكرى. وبذلك أعاد روح الأمل والفرحة في قلوب الشعراء الشباب.