مكارثية ثقافية قتل صديقه بعد جدل حول قصيدة النثر!

321

جبار عودة الخطاط/

لنقرأ أولاً هذا الخبر، الذي يجعلنا نلامس وازع العنف المضمر، والذي يبدأ بالظهور تدريجياً عقيب استفزاز بعض المثقفين والذي يمكن أن يتطور ليتخذ شكلاً مكارثياً قاتلاً يجنح إلى السعي الغريب لتصفية الآخر! يفيد الخبر باقدام شاب روسي على قتل صديقه، بعدما تجادلا حول رؤيتهما لقصيدة النثر..

المحققون قالوا إن الصديقين كانا يتناولان الخمر، في منطقة جبلية بمدينة إربيت الروسية، عندما احتدم النقاش حول قصيدة النثر، لتتطور المناقشة إلى جدال بشأن أيهما تمثل الشعر الحقيقي قصيدة النثر أم القصيدة العمودية ؟

تصاعد الخلاف (الأدبي) بين الصديقين ليتحول إلى مشاجرة، ويقوم شاعر القصيدة العمودية الخمسيني بطعن صديقه المدرس، شاعر قصيدة النثر، بسكين حتى الموت، الشرطة لاحقت القاتل في وقت لاحق، بعدما اختبأ في بيت أحد أصدقائه فاعتقلته.

إرهاب ثقافي

هو عنف.. بل إرهاب ثقافي لدى شريحة يفترض أنها تسلك الحوار المتحضر سبيلاً للتعاطي مع جميع الاختلافات والخلافات! هذه الشريحة تدعي بأنها أبعد الناس عن أساليب القوة والعنف فيما يعمد الكثير من (المثقفين) إلى أساليب تصفية معنوية مستترة ومتنوعة، فلو اتيحت لهم الفرصة لاجترحوا القتل الجسدي لاقصاء (الآخر) كما حصل مع صاحبنا الشاعر الروسي في الخبر المار، ولعل المناكفات والصراعات التي تنشب بين المثقفين لدواع تتصل بذواتهم النرجسية هي خير دليل على ما نقول!

في هذا المعنى استوقفتني عبارة رائعة لميلان كونديرا تقول:

(إذا أتيح لكل إنسان أن يقتل بشكل خفي وعن بُعْد، فالإنسانية يمكن أن تختفي بدقائق)!

سعار من التنافس

فعلاً هي مقولة مؤثّرة ومعبّرة عن حقيقة ما بات يعتري الكينونة البشرية، في راهننا الذي يعج بحالة سعار من التنافس غير الشريف، بين مختلف شرائح المجتمعات، حتى تلك التي يمكن تصنيفها ضمن خانة المثقفين! بل إن هذه الشريحة ربما هي الأكثر نزوعاً نحو توظيف أسلحتها وأدواتها المتاحة لـ (قتل) من يختلف معها، أو من تجد أن ثمة (مزاحمة) لديه يمكن أن يتهدد وجودها الوظيفي الذي تستمد منه عوامل وجاهتها الاجتماعية.. القتل هنا يمكن أن يغادر مسألة التصفية الجسدية، ويعمد إلى اجتراح أساليب أخرى لا تقل خطورة عن سفك الدم، في عملية إهدار روح أو مروءة الآخر، لاسيما أن المثقف يتمتع بأسلحة أو قوة ناعمة تتيح له التنفيس عن نوازعه وغرائزه في (قتل) المختلف، بل وقتل الآخر الأرجح منه لأنه يستشعر بأن وجود ذلك الأرجح ما هو إلا تهديد على (كيانه)، فحين يعجز عن مطاولة المقدار الذي بلغه ذلك (الأرجح)، فيحاول قتله معنوياً، واعتبارياً، بكل نعومة لتصفيته وتسقيطه!

غابة المثقفين!

إذن.. هل يمكن عزل الثقافة والمثقفين عن كل الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية؟ كما ابتعد الساسة في معترك تنافسهم الميكافيلي، عن الاعتبارات السوية وراحوا يبررون وسائلهم مهما انحدرت إلى درجات دونية من حضيض الواسطة، إذا كان ذلك يوصلهم إلى ضالتهم أو الغاية المنشودة! نتساءل هل يمكن عزل الثقافة والمثقفين عن كل الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية؟! الجواب بالتأكيد لا وإلا وجدنا أنفسنا إزاء غابة كبيرة تسمى غابة المثقفين!.. وحتى لا تختفي الإنسانية في دقائق كما قال صديقنا ميلان كونديرا.