ملحمة الطفّ الحسينية.. رُسمت بدماء سيد الشهداء

66

نجم الشيخ داغر – تصوير: يوسف مهدي /

أكاد أجزم، لا بل أجزم، أنك لن تجد ملحمة اكتنزت في طياتها كل ما تحتاجه الإنسانية من دروس وعبر، مثلما حصل في رحلة الإمام الحسين (ع) إلى كربلاء واستشهاده فيها.
هذا لأن الله -تبارك وتعالى- هو من تولى كتابة هذا السيناريو العظيم بنفسه وعرضه على الإمام الحسين فاختار الأخير ومن معه أدوار البطولة فيه بكل محبة وإيثار.
ولا يحتاج القارئ أو المتتبع سوى إلى مطالعة الواقعة وما سبقها من أحداث ليكتشف بنفسه ما قلناه، ويضع يديه على ما يحتاجه في سير تكامله الإنساني ليصل إلى قمة السلّم القيمي الذي يطمح له أصحاب الألباب والكياسة.
من هنا، وجد الفلاسفة والكتّاب والشعراء ضالتهم في البحث عن صور الجمال القيمي والشجاعة المنقطعة النظير والإيثار المبهر للنفوس، ليطلق الشعراء العنان لأقلامهم للاغتراف من هذا البحر الهادر بالفضائل والمكارم لصناعة معلقات خلدت هذه الملحمة البطولية العظيمة، وكذلك أشارت إلى الحزن العارم في النفوس على هذه الفاجعة والرزيّة التي حدثت بين ظهراني الأمة التي يبدو أنها أصيبت بالشلل النفسي لابتعادها عن قيم السماء ومن ولّاهم الله هداة ومرشدين نحو الكمالات والفضائل الأخلاقية.
لا يخفى أن حقبة بني أمية كانت من أصعب الحقب وأشدها حرباً على الحسين وآله وشيعته، لذلك فإن الشعر ربما كان ينسب إلى الجن أو إلى النداء الغيبي، كما جاء في بعض المرويات، خوفاً من بطش السلطة، وربما لعظم الفاجعة فقد عمّت جميع المخلوقات، وعليه فإن هذه الأبيات الممرّرة من تلك العوالم تعد بمثابة رثاء منها لسيد الشهداء (عليه السلام).
وقد روي أن هاتفاً سُمع ليلة مقتل الحسين يقول:
أيها القاتلون جهلاً حسيناً أبشروا بالعذاب والتنكيلِ
وكذلك
أترجو أمة قتلت حُسيناً شفاعة جدِّه يومَ الحسابِ
ولم تنطفئ جذوة الطف في قلوب الشعراء، ولاسيما لدى أولئك الذين عشقوا مبدأ الحسين وآمنوا بإمامته على مدى قرون، على الرغم من تنكيل السلطة الغاشمة بكل من يذكر الحسين وبطولاته، ولعل الشاعر دعبل بن علي الخزاعي مصداق واضح لهذا الأمر وهو القائل: “إني أحمل خشبتي مذ أربعين سنة ولا أجد من يصلبني عليها،” فهذا الشاعر لم ينفك يذكر بطولات آل علي والحسين الشهيد في كل مناسبة على مرأى ومسمع من سلطة بني العباس المناوئة للحسين (عليه السلام).

تُراثٌ بلا قُرْبى، ومِلْكٌ بِلا هُدى وحكمٌ بلا شُورى، بِغيرِ هُداةِ
وكان يصف آل بيت النبي بقوله:
همُ أهلُ ميراثِ النبيِّ إذا اعتَزَوا وهمْ خيرُ ساداتٍ وخَيرُ حُمَاةِ
مطاعيمُ في الإعسارِ في كلِّ مَشهدٍ لقد شَرُفُوا بالفضلِ والبركاتِ
وما النَّاسُ إلّا حاسدٌ ومُكذَّبٌ ومُضطَغِنٌ ذُو إحسنَةٍ وَتِراتِ.
واستمر الطف بمآثره العظيمة وتضحياته الجسام يمد الشعراء والأدباء في كل عصر بكل صور البطولة والعنفوان.
ولم يقتصر الأمر بطبيعة الحال على هذه الشريحة من المجتمع، بل إن كل فن وعلم وجد ضالته في كربلاء، فإن كان الحديث عن الإيثار، على سبيل المثال، ودوره الإيجابي في تزكية الفرد والمجتمع، تطالعنا أبهى صوره في معركة الطف عبر ذلك الموقف التاريخي للإمام العباس (ع) الذي أثبت أن الإنسان إن تسامى على غرائزه وانتصرت فيه نفخة رب الأرباب على قبضة التراب فإنه سيسمو حتى على الملائكة وخدّام الرب.
وصل العباس إلى مشرعة الماء وقلبه يغلي من العطش وأعضاؤه تئن من التعب، وحينما اغترف غَرفة من الماء وسرت برودته إليه، تذكر عطش أخيه الحسين فرمى الماء من كفه قائلاً:
يا نفس من بعد الحسين هوني وبعدَه لا كنتِ أو تكوني
وهكذا تنسحب مسحة الجمال على جميع المشاهد في كربلاء مع شدة الألم فيها، وكأن سيد الشهداء (عليه السلام) يتعمد جعل ملحمته مرجعاً أخلاقياً لجميع الأمم في حربها وسلامها، وإلا بماذا تصف من يسقي عدوه ومن جاء لمحاصرته بالماء الذي كانت أسرته وأصحابه هم الأحوج إليه؟ وكيف تصف من يضع خده تارة على خد فتىً أسود مملوك قد أعفاه سلفاً من القتال، وتارة أخرى يضعه على خد ولده الأكبر الذي كان يخشى عليه من الخدش، الأمر الذي جعل الفتى يهتف في آخر نفس له مزهواً بنفسه: “من مثلي والحسين يضع خده على خدي؟”
هذه الدروس صفعات على وجوه كل من ينادي بتفوق عنصر بشري على آخر وهي تجسيد لقول الله تبارك وتعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
من هذا التعامل الأخوي الإنساني، ينتقل بنا المشهد إلى موقف آخر لا يقل عظمة عما سبق، حينما يطالب الحسين أعداءه بالالتزام بقواعد الفروسية وأن يكون القتال بينه وبينهم، وأن يكونوا أحراراً في دنياهم ويتركوا النساء والأطفال، غير آبه بنفسه من سيوفهم على كثرتها، بيد أنه حريص على بقاء قيم الحرب الشريفة على أقل تقدير، كي لا يسنّوا سنّة سيئة تسير بها العرب بعدهم، لذلك توجه لهم بالخطاب “إن كنتم عرباً كما تزعمون”، وهكذا هو ديدن المصلحين في كل عصر وعلى رأسهم الحسين، فإنهم وإن كانوا على شفير الموت معنيون بترسيخ القيم العليا على الأرض.
من هنا، ولعظمة هذه المشاهد فإنها أبت أن تبقى حبيسة العالم الإسلامي فقط، بل باتت محطات يتزود منها أدباء كل أمة وجيل وفلاسفتها ومفكروها، وأصبح الحسين مناراً للثائرين والحكماء ينهلون من منبعه الصافي ويتزودون منه للوصول إلى كمالات النفس البشرية والمجتمعات المتحضرة.
إلى هذه الرمزية يشير المفكر (أنطوان بارا) بقوله: “لو كان الحسين منا لنشرنا له في كل أرض راية، ولأقمنا له في كل أرض منبراً، ولدعونا الناس إلى المسيحية باسم الحسين.” في حين يشير الهندوسي والرئيس السابق للمؤتمر الوطني الهندي (تاملاس توندون): “هذه التضحيات الكبرى من قبيل شهادة الإمام الحسين رفعت مستوى الفكر البشري، وخليق بهذه الذكرى أن تبقى إلى الأبد، وتذكر على الدوام.”
فيما ينوّه الباحث الإنكليزي (جون آشر) إلى البعد الاجتماعي لملحمة الطف بقوله: “إن مأساة الحسين بن علي تنطوي على أسمى معاني الاستشهاد في سبيل العدل الاجتماعي.”
ولعل هذه المقطوعة المفعمة بالعِبَر والمشاعر للكاتبة الإنكليزية (فريا ستارك) هي أفضل ما نختم به هذا المقال المتواضع، إذ تقول:
“إن الشيعة في جميع أنحاء العالم الإسلامي يحيون ذكرى الحسين ومقتله ويعلنون الحداد عليه. في العشرة الأولى من محرم، على مسافة غير بعيدة من كربلاء، جاء الحسين إلى جهة البادية وظل يتجول حتى نزل في كربلاء، وهناك نصب مخيمه، بينما أحاط به أعداؤه ومنعوا موارد الماء عنه، وما تزال تفصيلات تلك الوقائع واضحة جلية في أفكار الناس إلى يومنا هذا كما كانت قبل 1257 سنة، وليس من الممكن لمن يزور هذه المدن المقدسة أن يستفيد كثيراً من زيارته ما لم يقف على شيء من هذه القصة، لأن مأساة الحسين تتغلغل في كل شيء حتى تصل إلى الأسس، وهي من القصص القليلة التي لا أستطيع قراءتها قط من دون أن ينتابني البكاء.”