من مجلسي خلف النافذة

620

طالب عبد العزيز/

من شق بليد في النافذة، حيث أجلس الآن، أطل على قطعة صغيرة من الحديقة، لا، هي ليست حديقة بالمعنى المديني، المتعارف أمام المنازل، إنما هي ما تركتُه شاغراً من أرض البستان، وقد شيدت عليها الدار التي اسكن فيها اليوم. ما كان ليقبل آباؤنا الأولون أن نبني بيوتنا من الطابوق والاسمنت والحديد، أبداً.
الأرض هنا للزراعة حسب، وهي ملك النخل والماء والطيور والأزهار والفراشات، أما نحن فنأتيها نهاراً ونغادرها ليلاً، لتنعم الكائناتُ تلك بمملكتها.
في القطعة الصغيرة هذه نبتت شجرتا عنب وشجيرة توت صغيرة، لم تكمل عامها الثاني، انا أجلستُ جذرها في الحفرة، قصصت كيس البلاستيك وأنبتها، هي اليوم أقوى مما كانت عليه في العام الماضي، كنت ردمت النهر الذي حاذى البيت، خشيت أن ينفطر الجدار، لو شاء لأحد من أولادي لأخذها (القطعة) الى حيث يبني داره الجديدة، لكنني لم أوافق، وقد عابوا عليَّ صغر غرفة الدار الأخيرة، بعد أن أبعدت أساسها عن نخلة البريم التي أحب، والتي أتذكرها منذ أن كنتُ أطال عذوقها وهي غرٌّ صغيرة. أنا إذ أتحدث عن قطعة الأرض التي لا تتجاوز مساحتها ثلاثة الأمتار المربعة، إنما أقصد ما كان قائما هنا، قبل مائة سنة مثلاً.
حدثني أخي الأكبر قائلاً: إن أبي كان قد زرع شجرة سفرجل في الموضع الذي غرستُ فيها أنا شجرة التوت هذه، ثم أن الشجرة شاخت، حينٌ من الدهر أتي عليها وشاخت، هي التي كانت قبل ذلك أصلاً لشجرة التفاح الكبيرة، تلك التي أخذنا أقلامها من بستان عمّي عبد الله- صار أخي يذكّرني بالمكان الذي كنا نجلس فيه، عقب كل ظهيرة- قلت: نعم، وتذكرتُ الترعة الصغيرة التي كانت تلتفُّ على ساقها، صرت أرى الطيور، تنقر ثمارها العالية، ورحت أتأمل قطعة السماء التي تنفتق علينا خلل أغصانها. أخذني من مجلسي خلف النافذة ما يشبه الحلم، وما لو أنني امسكت بلحظة فوزه لتكلم، ثم أنني ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، فتذكرت سلّة التمر التي أهملها أبي تحتها، قال ندعها طعاماً للبلابل والعصافير والقُمريات، نتركها للدبابير واليعاسيب، من لها بعد انقضاء الموسم.!!
لا أعلم ما إذا كان جدّي قد حدث أبي قبل ذلك بشيء، وسواء انه قال له بانه رأى أباه يغرس فيها شيئاً من نخل وأشجار وزروع، أو أنه كان يقيم صلاته تحت فيء خلقتُه كائناتُه تلك، لكنني أجزم أنهم فعلوا ذلك، فهذه الأرض لم تكن يوما إلا بستانا كبيراً، يأتيه الماء مرتين في اليوم والليلة، وتجاهد الشمس كيما تطأ بأشعتها الأرض، هذه المساحات ما كانت إلا غابة نخل وشبكة أنهار، وإلا ما معنى صلاحها الأبدي لهذه النفوس، ولماذا يتصبب العسل والدبس من أفواه الناس حيث يتحدثون ويتذاكرون، ولماذا تحنو السماء عليهم الى اليوم وقد فعل القتلة واللصوص ما امكنهم بمملكتهم؟
من الفتق البليد في النافذة هذه، رحت أمعن النظر بعيني سائق التراكتور الذي استقدمه أبي من دائرة الزراعة، نسيت الحادثة حقاً، فقد مر نصف قرن على ذلك، الآن اقوم بجمع الأوراق التي بعثرها محراثه، وسحقتها عجلة ما كنته الكبيرة، ألمُّ اغلفة الكتب وأعيد ترتيب الدفاتر والصور، الآن، وقد بدأت بإحصاء صور وكتب ومراسلات وقراطيس كارل ماركس وفردريك انجلز وفيدل كاسترو ويوسف سلمان يوسف وزكي بسيم وسلام عادل وزكي خيري وشاكر محمود ودكتور كامل (أبو جماهير) وفكتور جارا ومهدي الحافظ وناهدة الرماح وبيا اصليوه والعشرات من هؤلاء الذين احببناهم، أنا وأخي، احاول ان لا تقع عينا السائق على صورهم. ومثل من احترق بيته، رحت ادسّ ما سلم منها، منهم في كيس الجنفاص الكبير، أبعدها عنه، فقد يشي بنا.
رحت أستعيد الليلة التي حملنا على ظهورنا بها الكتب والمجلات والصحف والقراطيس من البيت الى البستان، وكيف كان الظلام يرجّفُ أكفنا وأرجلنا وهي تواري ما حملنا، كيف كانت أشباح مفوض الأمن موسى خليل وعضو الفرقة الحزبية علي معتوق تترصدنا. كنا نسأل، ما إذا كانت أكياس البلاستيك ضامنة من العفن والرطوبة لما استودعنا. ذات يوم كانت الأرض باطناً لما كنا نظهر ونعتقد ونتأمل.
لم يكن الترابُ ترابَنا الذي نقف عليه اليوم، ولم تكن الأشجار من قبلنا كما هي عليه الآن من أغصان وورق وحفيف، وما كانت قبل اليوم شيئاً، ما نظنه ونتأمله من شواطئ وفسحات وأنهار. أظنني كنت قطعة الفخّار المكسورة هذه، فما هي بطرقات هذه التي تأخذنا أقدامُنا عليها، ولا الأشجار ولا الشواطئ. إنما، هي ما تهدم من أجساد آبائنا وأهلينا عبر الدهور، هي غبارهم وأتربتهم التي تناثرت هنا وهناك، وما الفسحة التي كنت أتأملها من ساعة، صامتا وحزيناً، إلا ما تراجع من أيديهم وأكفهم واكتافهم، من ثيابهم وأحزمتهم ومناجلهم أولئك الذين أخذنا عنهم حرفة الغرس والدفن الخالدتين.