(هل أنت أنا) لجليل البيضاني.. بوح الباشا النبيل

388

د. ماجدة السعد/

يصعب عليّ أن أكون محايدة حين أكتب عن الشاعر جليل البيضاني ، وقد تجاهلت كل ألقابه الأخرى – وهي كبيرة ومهمة – لأنني أعتز أيما اعتزاز بأخوته وصداقته وبإنسانيته. فحين نأتي على ذكره يصفه – صديقه منذ عقود – د.سعد الصالحي بـِ «الباشا النبيل»، ولم يسبغ هاتين الصفتين مجتمعتين قط على غير جليل البيضاني. ربما تشي هاتان الصفتان – إضافة الى رفعة خلقه – إلى انتمائه لزمن ماض يتأسى الناس على انقضائه.

وليس شخصه هو فقط ما ينتمي الى الماضي حسب، بل ثقافته العميقة بالتراث العربي القديم التي تضاهي ثقافة المتخصصين فيه أكاديمياً، والتي تسفر عن نفسها في هذا الديوان (هل أنت أنا) من خلال العروض الخليلي وانتقاء المفردات وتشكيل الصور وما يأتي نموذج:

يا دار سلمى سقاك الله فاسقيني …. فما مياه هنا قربي لترويني

وما رضاب التي قد كنت صاحبها ….تحنو قليلاً فتدنو ثم تعطيني

……………..

سمٌّ زعاف طعامي حين أمضغه ….زوّادتي قلم في كف مجنون

لله درك عمري كله وجعٌ ….وما برئت وقد جاوزت ستيني

اقتراب النهاية

وأيضا من خلال طبيعة القِيم التي يضخها في موضوعاته التي تمحورت حول المرأة والوطن ومرارة مضي الزمن (اقتراب النهاية) وحول مناجاته لله وخوفه من العقاب ( كما في الصفحات 12و60 و66 و83 ) ربما أكثرها وضوحاً:

أرهقني مشوارك سيدتي

وأعيش الآن كبندول الساعة

حينا تأخذني آثامي

والحين الآخر للإيمان

أبكي لسماع القرآن

والجسد المرسوم على شكل امرأة

يحملني مثل دخان

ويدور ليلقيني

مقتولاً بسهام الشيطان

وهذا المحور الأخير غير مألوف طرحه في الشعر العربي الحديث على نحو اتباعي، مما يؤكد ما ذهبنا إليه من أن هذا الديوان هو امتداد لشخص كاتبه بثقافته التراثية وبعقيدته وفكره وعاطفته وتجاربه . إنه حارس للقيم القارّة بل ممثلها بامتياز.

غنائية سلسة

ولا أظنه يعبأ بما وصلت اليه تجارب الشعر العربي المعاصر أو القيم التي يضخها ويتخطى فيها الثابت والمستقر، ليس استخفافاً، وإنما لأنه لا يبغي من شعره فتحاً بل بوح لما يعتمل في نفسه من حب أو حزن أو غضب بغنائية سلسة ككاتبها :

وطني سروال وعمائم

وهزائم من بعد هزائم

والكل مشاع في وطني…

والكل سبايا وغنائم

وطني أشرعة وسفوح…

وبغايا …

وذئاب…

وقروح

ولقد ختم الديوان بقصيدة ((مرثية العيد لأمي)) كانت عن أم الشاعر التي أحرقت نفسها حين ارتبط الأب بأخرى، وقد ظلت تطاردني هذه الصورة:

هل نام القمر البصري بعيداً

فلجأت الى النار

لكي يعرف دربه

وكانت هذه مسك الختام .