هل كان لدينا أدب سريّ في زمن صدام؟

638

آية منصور حسن/

بعد أن انقضتْ حقبة حكم صدام الذي دام لأكثر من ٣٥ سنة موجعة مثل عظمة في الحلق، كان الجميع متحمساً لصندوق الأدب، ينتظر أن يفتحه احد ما لتخرج لنا مئات الروايات التي ستوثّق فظائع هذه الحقبة المأساوية. لكنّ المفاجأة حدثت حينما فُتح هذا الصندوق ليظهر أنه فارغ.

كانت الصدمة كبيرة وما زالت. فما الذي كان ينتظر أدباؤنا ليدوّنوا عذاباتهم وعذابات شعبهم في تلك الفترة المظلمة؟ ما الذي حدث فعلاً ليكون صندوق الأدب السريّ بمثل هذا الخواء؟
توجهنا بهذا السؤال إلى عدد من كتابنا الذين عايشوا الحقبة المأساوية تلك لنتعرّف من خلالهم على أسباب غياب أدب سريّ كنا نتوقعه.

الألم أكبر من التدوين

الروائي حميد المختار يؤكد إن العديد من الكتّاب مارسوا الأدب “المرفوض” والخطير حتى في أوج طغيان صدام، في وقت كانت الكلمة الواحدة ترمي بصاحبها إلى الحفر.

“لقد كنا مجموعة منعزلة، مرصودة الحركات، لكننا نكتب بطريقة ذكية تحتمل التأويل وبأكثر من فكرة، لقد كتبت (رجل في علبة سردين) حيث تناولت فترة اعتقالي، كما كتبت (حكاية المدعو جمعة) الذي اختفى من بيته بصورة مفاجئة ولم يأت حتى اللحظة”.

يحدثني المختار عن تجربته “الخاصة” التي قضى جزءاً منها في سجن أبي غريب، انتهى خلالها من كتابة خمس روايات، وعند محاولتي معرفة ما إذا كانت هذه الروايات عن صدام أجابني بالنفي!

– لا نستطيع أن نكون سجناء ونتحدث عما يحدث لنا، إلا بعد خروجنا من هذه الدوامة بفترة زمنية، لنتشبع ونتأقلم مع الألم، ومع هذا كتبت (أعوام الذئب) وحولت السجن إلى مشفى لمصدورين في إشارة موحية غير مباشرة.

قصائد في بالوعة

“إن ما حدث من تجاهل لحكم صدام في أدبنا ترك حلقة مفرغة”، يقول المختار:”إننا نبدو الآن كما لو اننا لم نعش تلك الحياة”، ولهذا يدعو خلال الجلسات الأدبية إلى “تأسيس أدب للسجون، وطرح فكرة تعاقد الأدباء مع مؤسسة الشهداء التي تضم مئات الوثائق عن سجناء حقبة صدام”.

منذ ٢٠٠٣ صدرت أكثر من ٥٠٠ رواية، القليل منها فقط تناول وقائع فترة حكم صدام وبصورة خجولة تكاد تكون خائفة، فهل أن كتابنا يحاولون تناسي المأساة، أم ذاكرة الأدب العراقيّ لا تريد العودة الى مواطن الوجع.

يرى المختار ان الكثير ظلّوا شهوداً أحياء ليتحدثوا عن الفظائع حديثاً شفاهياً دون الخوض فيها عن طريق كتابة أعمال أدبية.
يقول: “لا يمكن أن ننسى أيضاً إن بعض العائلات أتلفت نتاجات أبنائها الأدباء بعد أن اعتقلوا خوفاً عليهم”. ويضرب مما حدث له مثلاً “حين أخذني أفراد الأمن صار منزلي فخاً لأصدقائي، ومرة حضر الكاتب عبد شاكر إلى بيتنا فسحبه الأمن، وقصائدي في جيبه، لم يفعل شيئاً سوى أن يطلب منهم الذهاب إلى الحمام، ليلقيها في البلاليع مباشرة!

الأدب ليس تأريخاً

أما الروائي أحمد سعداوي فيجد إن المسألة “ليست شخصية مع صدام ولربما هي بالمعنى الأدق مع الديكتاتورية بشكل عامّ”. كما إن “الاديب عادة ما يتحرك ضمن سقف الحريات المتاحة في عصره وبيئته فيجد نفسه ملزماً بالاكتراث للحدود والتابوهات السياسية والدينية والاجتماعية”.

“في عزلته يكتب الأديب العراقي ما يشاء، وبعضهم يتداول نصوصاً ضد صدام في حلقات الأصدقاء. لكن النشر شيء آخر”. يقول الروائيّ الفائز بجائزة البوكر العربية، ويضيف: “حدث أن تعرض البعض للاعتقال وأذكر النص الذي قرأه حميد المختار بعد أيام من اغتيال محمد الصدر، وقد فهم جميع من في القاعة الرسالة آنذاك ما أدى الى اعتقال المختار لاحقاً”.

ويتذكر سعداوي أيضاً الجلسات الاسبوعية للمنتدى الثقافي التي كانت تشهد نقاشات صاخبة يختلط فيها الأدبي بالسياسيّ.

الكتابة لا تعني النشر

“في بعض الحالات اخترقت هذه النقاشات الخطوط الحمر، الأمر الذي كان يدفع البعض لمغادرة المقهى سريعاً خوفاً من الإبلاغ عنه”. يصرّ سعداوي على أن هناك كتابات جريئة زمن صدام لكنّ “الكتابة لا تعني النشر، وإن نُشر فسيكون المنشور مشفراً”. ويورد أمثلة: “نشر جمال علي الحلاق قصيدة في جريدة الجمهورية وتضمنت شيفرة لن يستطيع القارئ فكها بسهولة، ولكن لو جمعت الأحرف الأولى من الأسطر تباعاً ستظهر عبارة “الحجاج وصدام توأمان”!

وعلى المستوى الشخصيّ فإن دائرة الرقابة على المطبوعات رفضت للسعداويّ مجموعته الشعرية الأولى “الوثن الغازي” لتضمنها إشارات سياسية، ويؤكد: “اليوم لو كنت أملك كتباً كنت قد كتبتها في زمن صدام فلن أنشرها لأني تجاوزتها الآن على مستوى الوعي والكفاءة الفنية والأدبية”. مشيراً إلى أن “أي كاتب سيرفض نتاجه بعد مرور سنوات إذا وجد ان هذا النتاج أصبح أقرب للتأريخ منه إلى الأدب”.

أشباح صدام حسين

الناقد الدكتور أحمد الظفيري يقول إن أذرع صدام المخابراتية كانت طويلة جداً وتمتد لدول بعيدة ولاسيما بقضية التصفية الجسدية، ولهذا عاش الأدباء في حالة خوف من نشر أي شيء يبين حقائق عن الظلم في فترة حكم النظام المباد.

“إن مشكلة (التقارير) في زمن النظام السابق كانت مرعبة ولذلك كان كثير من الأدباء لايأمنون لبعضهم بسبب خوفهم من كتابة تقرير قد يودي بحياة أو مستقبل الأديب، وليت الأمر يتوقف عند استهدافه بل يطال عائلته معه” يقول الظفيريّ الذي يستدرك “لكنْ كان هناك تنظيم من الأدباء المعارضين الذين قرروا الخوض بفكرة المعارضة (طه حامد الشبيب، هادي الناصر، علاوي كاظم كشيش ….وآخرون) غير أن هؤلاء الأدباء لم تكن فكرتهم المعارضة كتابية، بل كانت تنوي الخوض في غمار الصراع السياسي وحتى المسلح إذا لزم الأمر، ويمكن لأيّ من الأسماء السابقة أن يذكر تفاصيل أكثر”.

ليس الأمر مشوّقاً!

ويرى الظفيري ان “الكثير من العراقيين بعد عام 2003 ولغاية إعدام صدام كانوا يؤمنون بفرضية عودته للسلطة، ومجرد التفكير بعودته كان يخيف كثيراً من الأقلام التي شاهدت مدى قسوة هذا النظام”. بل أن الخوف من شبحه مستمرّ حتى اليوم بحسب الظفيريّ ” مازال البعض يخاف ذلك النظام لا سيما بعد ثبوت حقيقة إن قيادات كثيرة في داعش هي من كبار البعثيين والضباط والفدائيين، ولذلك سيبقى شبح صدام يحوم لمدة ليست بالقصيرة”.

الظفيري يختم حديثه بالقول “إن قساوة سجون أبي غريب شكلت معادلاً موضوعياً جعل كثيراً من الأدباء يعدلون عن فكرة الكتابة عن سجونه، لأن القارئ حتماً سيقارن ما بين سجون الأمس وسجون اليوم ولن يجد فرقاً وبذلك تسقط فرضية الغرابة والتشويق في الكتابة”.

ثقافة استنساخ

يرى الشاعر كاظم غيلان ان “الكتاب المهرب الذي كان يصل الى داخل العراق بعد سلسلة مغامرات يقوم بها مهربوه ويتم استساخه وتوزيعه في الداخل يمر بمغامرات عديدة، ولقد بقيت ثقافة استنساخ الكتاب الممنوع ظاهرة تؤرق الأجهزة الأمنية”. يضيف غيلان إن “الإصدارات المهرّبة هذه كشفت عن خفايا وأسرار عديدة لم يكن المواطن – لاسيما العاديّ – قد عرف بها” ويضرب أمثلة على ذلك كتاب (القسوة والصمت) لكنعان مكية وكتب حسن العلوي التي عدت وثائق وشهادات وتحليلات دامغة، سيّما وأن مؤلفها عاش لفترة طويلة على مقربة من مصدر القرار وأعني صدام حسين، حتى مغادرته العراق نهاية السبعينات والتحاقه بركب المعارضة العراقية في المنفى.

هناك أيضاً ـ يشير غيلان ـ كتب مذكرات قادة سياسيين من مختلف الاتجاهات، من شيوعيين وإسلاميين وقوميين عرب بل وحتى من جناح البعث المنشق عن جناح البكر- صدام والذي كان موالياً لجناح البعث السوري .

الحرية ليست هنا

الكتب التي أرّختْ لتلك الحقبة كتبها عراقيون خارج العراق، يؤكد غيلان ذلك ويعطي مثالاً “لعل من أبرز الكتب الأدبية التي لاحقتها الأجهزة الأمنية كتاب (ثقافة العنف في العراق) لمؤلفه الروائي والكاتب العراقي المقيم في السويد سلام عبود الذي فضح بالوثائق والأسماء الصريحة ثقافة السلطة آنذاك”.

فسحة الحرية خارج البلد أتاحت لكثير من الكتّاب أن يدوّنوا فظائع تلك الحقبة، فالوضع في داخل العراق لا يقيّض للكاتب أن يكتب بحريّة، فبحسب غيلان “تمكنت أجهزة صدام من زرع جاسوس وناصت في أصغر خلية اجتماعية ألا وهي العائلة، ولربما وجد البعض فرصة للمجابهة فكانت التصفية الجسدية والغياب الكامل لأثره هي النتيجة، كما حدث للكاتبين عزيز السيد جاسم وضرغام هاشم.

ويؤكد غيلان انه ومع سقوط النظام تدفقت العشرات من الكتب، لكنها استقبلت ببرود، خاصة تلك التي لا تخلو من بصمات لا يحبذها العراقيّ كمذكرات علاء بشير طبيب صدام (كنت طبيباً للرئيس) ومذكرات قادة أحزاب.

يختم غيلان حديثه بالقول ان “العراقي لم يزل بحاجة ماسة إلى توثيق تاريخي حيادي نبيل يكشف وينقد ويقوّم تلك المرحلة دونما انحياز لهذا الطرف أو تلك الطائفة”.