هواجس ورؤى في فهم أبعاد الاستشراق

125

خضير الزيدي /

تلفت الباحثة المصرية إيناس حسني الانتباه الى فن الاستشراق من خلال كتابها الموسوم بـ (الاستشراق وسحر حضارة الشرق)، المتضمن مجموعة من الأفكار التحليلية التي ترى فيها المؤلفة قراءة نقدية تعالج موضوع الاستشراق وما أثاره الشرق من هواجس ورؤى لأولئك الذين شغلهم الشرق ومناطقه وطبيعته من الغربيين.

واتخذت الكاتبة من الأعمال التشكيلية والوقوف عند أهم الأسماء، موضوعين لها لتتناول مباحث عديدة سلطت فيها الضوء على اهتمامهم الفني والجمالي.
معالم بنائية
في التمهيد الأولي لمتن الكتاب، تعرّفنا إيناس حسني على الاستشراق بوصفه واحداً من التيارات الأكثر حضوراً في القرن التاسع عشر، والحديث فيه مرتبط بموضوعة السفر، وما صاحبه حينذاك من مخاطر، وتحدثنا عن انبهار الغرب بالشرق، وما يثيره من فضول لديهم في معرفة جوانب حياتية ومعالم بنائية وتراكيب اجتماعية في التمهيد لهذا الكتاب، كما نجد أنها في موضوعة الأصول تشير إلى ترجمة أنطوان جالا عام 1704 لكتاب ألف ليلة وليلة، والى مونتسكيو والرسائل الفارسية، وهي مراسلات وهمية بين اثنين من المسافرين هما (يزبك وريكا)، وتحدثنا عن رواج المقتنيات التركية من السجاجيد وأقمشة الحرير، ثم تعرج على موضوعة وصف مصر من قبل المستشرقين، لتؤكد للقارئ أن مصر شكلت منذ البداية وجهة أساسية تمثلت في مجيء حملة نابليون، بالإضافة إلى قدوم الفنان والدبلوماسي دومينيك فيفان دينون، الذي خط بأنامله وبقلم الرصاص المواقع الأثرية والمشاهد اليومية، وتطرقت في بداية الكتاب إلى الكسندر جابرييك، وبروسبير، والفنان المعروف أوجين ديلاكروا ورسوماته ذات الصلة بالشأن الشرقي، مشيرة إلى ما للاستشراق والفن الاستشراقي من أهمية تذكر في محافل الأدب والدراسات الاجتماعية، وحتى المختصة بالشأن السياسي، منوهة إلى اختفاء الاهتمام بالفن الاستشراقي منذ أوائل القرن العشرين وأسلوب الاهتمام بهذا المنجز الفني والإنساني.
سحر الشرق
أما في مقدمة كتابها فتثير مسألة المؤثرات الفنية الشرقية وانتقالها إلى أوروبا، متطرقة إلى المسيحية وامتداد تأثيرها الفني، توظيفاً وفكراً، وكذلك الحضارة الإسلامية وآثار العمارة، لتربط لنا قيم الفن في تلك المرحلة بالوجهة الثقافية من جهة، والجانب السياسي من جهة ثانية، حتى أنها تعد لنا مشاغل فنية وشهود تأسيسات لمراسم فنية في مصر وبعض الدول العربية والإسلامية، التي وقف فيها الرحالة والرسامون مستوحين التراث الشرقي هاجساً فنياً لأعمالهم.
ولم تكتف عند هذا الوصف، بل إنها تولي اهتماماً كبيراً لتأثيرات الفن الهندي والصيني والياباني، وبعض من فنون إفريقيا، وتتابع لنا مؤثراتها الفنية على تجارب واتصال الغربيين. في جانب آخر من الكتاب توضح لنا الباحثة أن دراستها تقوم على محورين: أحدهما فني يتابع التطور في الشكل الفني في عالم التصوير، والآخر يبحث في مؤثرات الإنتاج الفني، وتعيد إلى أذهاننا التذكير بأن الاستشراق، مهما حمل من نوايا دينية وسياسية، إلا أنه لن يخلو من فوائد علمية، فلقد توزع الكتاب على العديد من المواضيع منها (مفهوم الاستشراق)، وأهميته في الفن، وعلاقة دوافع الاستشراق بالاستشراق الفني، باحثة في المفهوم العربي من حيث اللغة إلى مفرداته، وفي اللغات الأجنبية، إلى تضمينه ومحتواه.
وفي هذا الصدد، تثير -مرة ثانية- آراء معاصرة في مفهوم الاستشراق لتأخذ قراءة وأفكار المستشرق الألماني (هارتموت بوتسين)، الذي أكد في بحوثه أنه مفهوم شامل، وتأخذ رأي وبحث المستشرقة (آنا ماري) لتؤكد مقولتها هنا إنه علم له أصول وقواعد ومناهج… ومن مباحث المؤلفة ما قسم منه إلى مفهوم جغرافي وفلسفي وفني، نجد في المفهوم الجغرافي ما تناوله بعض الباحثين حول تحديد هذا المفهوم، منوهين إلى الشرق الأقصى والشرق الأدنى والمغرب العربي، أما في المفهوم الفلسفي فتتناول الناقدة إيناس ظاهرة الشرق / الغرب بالطبيعة والشمس وتشكيل الأساطير، ولاسيما ما ارتبط منها بطروحات المصريين القدماء ووجود آلهة الشمس عند البابليين والآشوريين، ثم تدخل إلى المنظومة المعرفية التي توارثت في استخدام التصويرين القبطي والإسلامي، ومعالجة التصوير المسيحي بإيحاء روحي، وحديثها النقدي يتطرق إلى جانب آخر هو المفهوم الفني، الذي تقسم فيه الفنون الشرقية التي هي نتاج فناني الشرق أنفسهم والفن الاستشراقي الذي يختص به المستشرقون.
ونجد في الفصل الثاني مواضيع متنوعة تناولتها الباحثة في التحليلين النقدي والتاريخي، منها المؤثرات الشرقية المبكرة في التصوير الأوروبي، مشيرة إلى الفن البيزنطي والفن الإسلامي، شارحة لنا الأساليب المتبعة حينذاك، منها الشخوص، ولاسيما المسيح والأشكال المجنحة واستخدام (الهالة) لتدل على القدسية والأرضيات المذهبة وتصوير السقوف وغيرها.
نتاج مؤثر
الكتاب تناول شخصيات فنية عديدة وقفت المؤلفة بالتحليل والتعبير على دوافعهم الفكرية والجمالية ونتاجهم الفني المؤثر في الأجيال اللاحقة، منهم المصور جون فريدريك، ودافيد روبرتس، وباسكال كوست، وغيرهم. وأفردت للمدرسة الإنكليزية باباً خاصاً، متخذة من الأعمال الفنية للمصور دافيد روبرتس مادة تحليلية لها، معرجة على بداياته وتأثيراته ونزعته التعبيرية المتخذة من الاهتمام بالعمارة الإسلامية جانباً مضيئاً لها، مبينة أن هذا الفنان حافظ على الاتزان داخل المنظر من خلال استخدام الضوء والظل.
يقع هذا الكتاب في أكثر من ثلاثمئة صفحة من القطع الكبير متضمناً لوحات ملونة من الفن الاستشراقي للكثيرين ممن رأوا في معالم الشرق وحياته مادة فنية لأعمالهم التصويرية. السيدة إيناس حسني لها الكثير من الإصدارات الخاصة بالفنون، وهي حاصلة على شهادة الدكتوراه في النقد التشكيلي في مصر، تشغل منصب مديرة مركز الجزيرة للفنون قطاع الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة في مصر.