وجدان الماجد: طيبة الناس أشعرتني بالأمان ودفعتني للإبداع

288

زياد العاني /

وجدان الماجد.. فنانة تشكيلية أجادت الرسم الواقعي وتمسكت به كأسلوب خاص منذ تخرجها في كلية الفنون الجميلة، إذ باتت أعمالها التي تعرضها في القاعات الفنية تأخذ صداها الإعلامي وتثير اهتمام المتخصصين، ولا شك في أن أسلوبها المميز في الرسم الواقعي منحها فرصة أن تكون مميزة في رسم الشخصيات أيضا.
من هنا جاءت الفرصة وانطلقت الماجد لتخرج الى الشارع وفي الأماكن العامة لترسم جداريات تضم مزيجاً من أشكال التعبير الفني، من منطلق أن الفن يجب أن يكون في كل مكان، إذ يعتبر فن الشارع منصة مؤثرة للوصول إلى الجمهور، فاستغلت هذه المنصة ووضعت بصمتها في الكثير من شوارع بغداد. بالإضافة الى كونها فنانة متمكنة من أدواتها في الرسم فإنها تحمل الشجاعة والطاقة الكافيتين من أجل إنجاز أعمال تصل الى عشرة أمتار او أكثر وفي أماكن عامة مرتفعة ليس من السهل الوصول اليها. تحدثنا مع الفنانة وجدان الماجد عن تجربتها عبر هذا اللقاء:
* فرصة جميلة تلك التي حصلت عليها في ترسيخ أعمالك وانتشارها في شوارع بغداد، من هي الجهة التي كلفتك برسم هذه الجداريات؟
– البداية كانت مع أمانة بغداد وكان المقترح رسم صورة الفنان الراحل الدكتور بلاسم محمد والفنان الراحل الأستاذ ماهود أحمد قرب كليه الفنون، لكن بصراحة كنت مترددة جدا في قبول ذلك المقترح، لأن مكان الجداريات التي قرروا أن يكون الرسم عليها كان عبارة عن أعمدة ضخمة وسط الشارع، وكانت فيه مخاطر نوعاً ما، ولوجوده في منتصف تقاطع مرور السيارات.. لكن الأهم عندي كان الدكتور بلاسم وفاءً مني له ولذكراه، لذا وافقت على المقترح، فقد كان الدكتور بلاسم أيقونة مهمه على المستوى المهني في الأكاديمية وعلى المستويين الإنساني والمجتمعي.
* باعتبارك فنانة وشابة جذابة تقفين في وسط الأسواق الشعبية بشكل يومي لتنجزي عملك في رسم الجداريات، هل تعرضتِ (للتحرش) من قبل الشباب، وكيف كانت ردة فعلك إزاء ذلك؟
– لا أخفي عليك أني قبل البدء بالعمل في المناطق البغدادية الشعبية القديمة كنت قلقة جدا من هذا الموضوع، وكنت مترددة في الذهاب الى هناك، لعامل نفسي بحت، لأنني لم أسمع شيئاً سلبياً عن تلك المناطق سابقاً، لكنه مجرد هاجس خوف.. لكن بعد مباشرتي بالعمل هناك فوجئت بأخلاق الشباب وتعاونهم وغيرتهم وطيبتهم، فقد وجدت البغداديين، من دون انحياز، قمة في النقاء والألفة والمحبة رغم بساطتهم، فهم حتى عندما يريدون أن يلتقطوا صورة لي يستأذنون مني، وبعد ترددي على هذه الأمكنة والتعرف على أناسها، صرت أشعر أنني في أمان دائماً، بل كأنني وسط أهلي وهم من يحمونني من أية إساءة.. وهذا واحد من أهم الأسباب التي دفعتني الى أن أكمل الجداريات في جميع المناطق الشعبية دون تردد.
*هل واجهتِ صعوبة في تنفيذ الجداريات؟ وما هي العقبات التي واجهتك؟ ولاسيما أن أغلبها رسمت في مواقع شعبية؟
-بصراحة نعم، واجهت صعوبات عدة في إنجاز مثل هذه الأعمال، أولاً باعتبارها ضخمة، إذ كانت بقياسات مختلفة تصل أحياناً الى ١١متراً طولاً وبارتفاع ٨ أمتار وأحيانا أكبر، وثانيا لأن خامة العمل الفني مختلفة، فهي إما كونكريت او طابوق، وأحياناً يكون الجدار ناعماً واحياناً أخرى يكون ملمسه خشناً.. الى آخره، وكنت مضطرة لتنفيذه بتقنيات مختلفة، بالإضافة الى ضجه الشارع وسرعه حركه المرور والأسئلة المتواصلة من قبل المارة وصعود “السكلة”، وغيرها من الأمور، كلها كانت معوقات.. ناهيك عن الجو الحار وأشعة الشمس او ظلام الليل، ولكن بعد تقبل الناس وحبهم للمواضيع والشخصيات التي تحمل رسائل جمالية ومعرفية أصبحت أهوى حب الناس لأعمالي أكثر من حبي للرسم.
*ما قمت به أمر صعب وأحيانا يستعصي حتى على الرجال، وهذا يحسب لك، صعود (سكلات) بارتفاع عال وسط أسواق شعبية مكتظة، والعمل تحت أشعة الشمس اللاهبة لساعات عديدة ..الى آخره، من أين استمددت كل هذه القوة؟
– لا شك في أن حبي للفن وإصراري على إنجاز شيء مميز، أنافس به الفنانين العراقيين على الأقل، هو ما منحني الثقة العالية بالنفس والطاقة الكافية لإنجاز هذه المشاريع التي بدأت بجدارية وانتهت بأكثر من ثلاثين جدارية، وما زلت مستمرة في تنفيذ أعمال جديدة سيعلن عنها حين إنجازها، وأنا سعيدة بصراحة لكوني حققت الشيء الذي كنت أتمناه، وأعتقد بأنني أسهمت بشكل فعال في تسليط الضوء على المرأة العراقية وقوتها وعزيمتها وإصرارها، سواء أكان ذلك بقصد أم بدونه.
* بما أن الأعمال كانت تنجز بهذا الجهد الكبير، هل فكرتِ بموضوع الزمنية في العمل؟ أي هل تتوقعين أن الجداريات المرسومة ستقاوم الظروف الجوية في العراق؟
– بالنسبة لمقاومه الألوان، فالأكيد مع مرور الوقت وشمسنا المشتعلة دائماً، سوف يقل بريق الألوان، وربما تتحمل لأربع سنوات!! لكن لوكان الدعم المادي كافياً لكان في المستطاع إيجاد البدائل من السوق الأوروبية، لكن هذا سيكون مكلفاً بصراحة، والدعم -كما تعلم- لم يكن مجزياً بحجم الجهد والتعب. مع ذلك استمررت برسم الجداريات لحبي وشغفي بالرسم في الشارع وتفاعل الناس معي، وأسعى جاهدة في المستقبل لإيجاد ألوان بديلة تقاوم ظروفنا الجوية، او ربما بطلاء يغطي الألوان ليحافظ عليها من التلف بشكل سريع.
* هل يمكننا القول إنك الآن تخصصت في موضوع رسم الجداريات؟
– لا استطيع أن أكون رسامة للجداريات فقط، إذ أن لي منجزاتي ومشاركاتي قبل أن أرسم في الشارع.. كذلك لي طموحي وآمالي في إنجاز معرضي الشخصي، وهو قيد الإنجاز.
* من ساعدك في إنجاز هذه الجداريات العديدة؟
-خلال فترة إنجازاتي في الشارع شاركني في البداية وفي أربعة أعمال الفنان محمد عنزي، بعدها شاركني الفنان المغترب حمدان سراي في ثمانية أعمال، أما بقية الجداريات فكانت بجهودي وحدي، والمنجز النهائي هو ٣٠ جدارية في بغداد، منها جداريتان في منطقه الصدرية وعشر في منطقه الشواكة العريقة، وكان اختياري لأعمال الرواد، اما بقية الجداريات فكانت في منطقه تقاطع باب المعظم وتقاطع الكسرة وتقاطع جامع براثا.
* هل منحتك فرصة الرسم في الشارع فرصاً أخرى لرسم جداريات لبيوت مثلاً، كطلب شخصي من بعض الناس الذين أعجبوا بعملك؟
– نعم، حصل ذلك كثيراً، فقد طُلب مني أن ارسم جداريات لأناس إما أصحاب محال يريدونها لتزيين محالهم او بيوتهم او جدار مدرسة او روضة الى آخره، لكنني كنت أرفض ذلك باستمرار، لأنني لا أريد أن أرسم شيئاً تجارياً او خالياً من القيمة الإبداعية، فغالبية الناس كانوا يريدون رسوماً معينة لا ترتقي الى مستوى الإبداع، فكنت أفرض عليهم ان تكون الجداريات إما منقولة عن لوحات الرواد او أن تكون من بنات أفكاري، أي لوحات غير منقولة من إنشائي وتنفيذي، لذلك لم اتفق مع أحد منهم، فالجدارية الفنية المشغولة بشكل متقن وبخامات ممتازة تكون مكلفة، ولا تتناسب مع المبالغ التي يدفعها الناس البسطاء، لأنهم تعودوا على بعض الرسامين الفطريين الذين يلونون الجدار كيفما اتفق وبسعر رمزي.