كلمة جمال

379

جمال جمعة /

«المرأة العراقية خائفة، تخاف من نفسها، تخاف من عائلتها، تخاف من الرجل، تخاف من المجتمع، تخاف من الدولة.. إنها باختصار خائفة من كل شيء!»
هذا ما قالته لي إحدى الزميلات ونحن في معرض الحديث عن خشونة المرأة العراقية الظاهرية وغياب مظاهر الأنوثة من هيئتها.

لقد كافحت نساء أوروبا كفاحاً طويلاً وشاقاً، ساندها فيه الرجل الأوروبي المتحضر، لكي تحصل على حقوقها الإنسانية في الأمان والمساواة والاستقلال الاقتصادي أسوة بزميلها الرجل. لكنّ قسوة المنافسة في سوق العمل جعلتها تتخلى عن صفاتها الأنثوية لتكون نسخة مطابقة للرجل في كل شيء، سلوكها، ملابسها، قَصَّة شعرها، بل وحتى في طريقة كلامها، ليمكنها إقناع أرباب العمل بأنها لا تختلف عن الرجل في شيء، بل وأنها تضاهيه إن لم تكن أبرع منه. في النهاية، بعد عقود كفاح طويلة استطاعت المرأة هناك فرض نفسها على المجتمع وحققت ما تصبو إليه. لقد ربحت المرأة الأوروبية حقوقها لكنها خسرت أهم ما فيها: أنوثتها.

أمّا في العراق، فالوضع يختلف جذرياً، ثمة قوانين عشائرية وأعراف اجتماعية وقوانين حكومية مفروضة عليها، وهي عبارة عن سجون متراكبة ما أن تفلت من أحدها حتى تقع في براثن الآخر: سجن الذات، سجن العائلة، وسجن المجتمع. وتلك السجون لا يمكن الخلاص منها دون الإفلات من السجن الأول، أَلا وهو سجن الذات. ولا يمكن تحطيم هذا السجن الذاتي إلا من خلال تحرير المرأة لذاتها من وهم العجز والتبعية الاقتصادية للرجل، وهما خصلتان غرسهما فيها المجتمع عبر قرون، من خلال الإصرار على إكمال تعليمها والدخول إلى سوق العمل.

أما بقية السجون فيحتاج تحطيم أغلالها إلى كفاح دؤوب، مرير ومشترك، تخوضه المرأة نفسها مع المنظمات المدنية والدولة، لكن ليس قبل أن تفلت من سجنها الشخصي الذي جعلها المجتمع تعيش فيه أسيرة له، ليمكنها أن تعيش حياتها حرّة في مجتمع حرّ ومتمدن، تجمّله بأنوثتها الراقية وشخصيتها المستقلة.