اربيل سحر الطبيعة وعبق التأريخ

843

سارة السهيل/

يفوح من مناطقها القديمة عبق التأريخ، فهي تمثل القلب والمركز وتزدحم بالسكان، إنها مدينة موغلة في القدم حتى إن ذكرها ورد في كتابات الملك السومري شولكي (2000ق.م), وكانت تعرف لدى البابليين والآشوريين باسم أربا إيلو وهو الموقع الآشوري الوحيد الذي ظل آهلا بالسكان.
انها أربيل عاصمة أقليم كردستان التي تتميز بقلعتها القديمة، وطبيعتها الساحرة، ففضلا عما تحظى به من مكانة تأريخية وأهمية تجارية كبرى، فهي مدينة سياحية اذ تنتشر مصايفها مثل مصيف صلاح الدين الذي يقع على جبل بيرمام الذي تكثر عليه أشجار السرو والبلوط.
الأميرة خان زاد
بالرغم من التطور الكبير للمرأة الكردية وارتباطها بالحداثة، فانها لا تزال تحتفظ ببعض العادات والتقاليد القديمة في بعض المناطق مثل تفضيل الذكور على الإناث، والزواج المبكر، خاصة في المجتمع الريفي.
إلا أنني أكاد انسى هذا الأمر كلما مررت بآثار قصر الأميرة خان زاد بنت حسن بك التي كانت خلال الفترة (1555-1615م) قد تقلدت الحكم بعد حادث مصرع زوجها غدرا وهو الأمير سليمان حاكم إمارة سوران ومن المثير لي شخصيا أنني أجد اسمي (سارة) في كل مكان فأدركت انه اسم محبوب لدى الكورد وسعدت بذلك. حتى جبل سارة الشاهق لو نظرت إليه تخيلت النجوم تحتفي به وتدور حوله بإيقاع من النور الراقص كزفاف عاشقين في قمة السعادة.
وسألت عن سر تسمية هذا الجبل بـ «سارة» فقال لي أحد الأصدقاء أن سارة كانت زوجة أحد السلاطين، الكرد وكانت طيبة جدا ومحبوبة وقال لي ان الكرد يحبون اي شخص يأتي إليهم، فسارة لم تكن كردية ولكنهم احتضنوها واحبوها انها تشبه هذا الجبل بعينيها الخضراوين وشعرها الأصفر بتموجات ألوان الأشجار والأغصان بين الأخضر والأصفر وألوان الورود الحمر والبيض.
عادات وتقاليد
طابع الحداثة طغى على المجتمع الكردي شأنه شأن المجتمعات العصرية في المأكل والمشرب والسلوك اليومي، غير ان مفردات العادات والتقاليد الموروثة لايزال المجتمع الكردي يحافظ عليها كمأكولاته وازيائه التراثية وفي المناسبات الاجتماعية مثل الأفراح، ومن أهم الأعياد عيد النوروز. وليلة برات معناها ليلة توزيع الأرزاق.
وتوجد ليلة أخرى يحتفل بها كرد ايران بالأخص اسمها ليلة يلدا وهي تعتبر أطول ليلة من ليالي الشتاء يأكلون فيها الرمان والبطيخ الأحمر.
كما لايزال المجتمع الكردي يحتفظ باسراره من القصص والأساطير.
فهم ينتظرون سقوط الأمطار اذا ما خفضت العنزة ذنبها، وينتظرون قدوم الضيف اذا مسحت القطة وجهها بقائمتيها.
ويعتبرون العروس نحسا اذا مات والد زوجها قبل الزفاف، وحينما يولد الطفل تتم حراسته لمدة اسبوع عبر وضع سكين وإبرة كبيرة أو قشرة بصل وذلك ليطرد عنه الجن. كما يعتقدون ان ظهور ضوء أحمر من جهة معينة دليل على نشوب حرب ناحية هذه الجهة، كما يعتقدون بأكل الثلج بعد الثلجة الأولى كنوع من التقليد بعد خلطه مع الدبس وربما أنا شخصيا أجد نفسي أميل لهذه العادات التي تعطي طابعا خاصا للشعوب وتجعل له نكهة مميزة وتصنع تراثا اجتماعيا يجذب الشعراء ويكون وطنا لخيال الشاعر وبحرا من المفردات للقصص والروايات التي يحيكها الكتاب كما أنني وجدت نفسي أؤمن ببعض هذه المعتقدات وامارسها دون أن أعلم مسبقا انها من التراث الكوردي.
تنوع
التنوع في العادات واللهجات والملابس والفلكلور من مدينة لأخرى ومن عشيرة لأخرى، أثرى المشهد الثقافي وجعله غنيا ومتنوعا كما تعدد الأديان والطوائف بين مسلم ومسيحي ويهودي وايزيدي وكاكائي وزردشتي وبهائي رغم أن ديانة الأغلبية هي الإسلام بطوائف مختلفة بين شيعي وسني وصوفي وغيرها، إلا أن الطابع الثقافي موروث من الزردشتية ليس كدين، إنما كثقافة، كما فرحت جدا عندما عرفت ان في البهائية عند بلوغ الإنسان بنت أو ولد سن الثامنة عشرة يجب ان يخدم الناس لمدة سنة مجانا.
سحر الطبيعة
تتمتع أربيل بطبيعة ساحرة خلابة كما يفوح من مناطقها القديمة عبق التأريخ فاربيل التي تمثل القلب والمركز تزدحم بالسكان، لكونها مدينة موغلة في القدم حيث ذكرت في كتابات الملك السومري شولكي(2000ق.م), وكانت تعرف لدى البابليين والآشوريين باسم أربا إيلو وهي الموقع الآشوري الوحيد الذي ظل آهلا بالسكان.
ولعله من ابدع المناظر الخلابة في كردستان هي مناظر الشلالات والمساقط المائية التي تعد ثروة من الثروات الطبيعية التي لها الأثر الكبير في موارد البلاد من الناحيتين الاقتصادية والسياحية. ومن أشهرها شلال «كلي علي بيك» القريب من بلدة ديانا الذي ينحدر من أعالي الجبال ليشكل لوحة رائعة رسمها الخالق بعظمته وقدرته. وأيضاً شلالات بيخال التي تتميز باعتمادها على المياه الجوفية، وبجانب كثرة الأشجار والأعشاب النادرة والجميلة فوق سفوح الجبال والوديان والسهول الخضر جعل من الطبيعة الجبلية الخلابة في كوردستان منطقة سياحية لامثيل لها في العالم.
اهتمام حكومي
المحميات الطبيعية للأعشاب والحيوانات المعرضة للإنقراض حظيت بالاهتمام حيث سبقت كردستان جاراتها في الإنتباه لأهمية الحفاظ على البيئة والعنف ضد الحيوان والمحافظة على الأعشاب من الانقراض.
وتنتشر المنتجعات السياحية أيضا في السليمانية ودهوك ودوكان التي تمثل مقصدا سياحيا مهما، لكنها لا تزال تحتاج الى مزيد من الجهد من جانب المختصين بتنمية النشاط السياحي واجتذاب الشركات العالمية للاستثمار وتنمية هذه المناطق الطبيعية الساحرة وتوظيف مناطقها التراثية العريقة التي تستوعب الكثير من الأفكار التي تشد السياح الذين بإمكانهم ممارسة النشاطات والهوايات المختلفة من تسلق الجبال أو التزلج على الثلوج أو من المهتمين بمراقبة الحيوانات أو الجلوس بالطبيعة أو الزراعة وايضا سباق السيارات والرالي والدراجات بين الجبال والطرق المتعرجة.