البتاوين من حي “ارستقراطي” الى معقل للجريمة والضياع

893

اياد عطية الخالدي/

من حي “ارستقراطي” سكنته عوائل معروفة ومن شرائح اجتماعية شتى تصدرت واجهة البلاد في التجارة والسياسة والمجتمع والفن، لعقود طويلة من القرن الفائت، الى حي فقير وبائس منازله الموشومة بالنقوش والمبنية بالطابوق البغدادي، مهدمة ومتهاوية.
البتاويين الأنيقة والنظيفة وسط بغداد، تحولت خلال العقدين الماضيين، خاصة، الى مرتع للمشردين والشحاذين بعد أن تركها ساكنوها بين مهاجر ومسافر، فارتبط اسمها بجماعات سائبة تستخدم وتتاجر بالمخدرات وتمارس العنف والجريمة وتستغلها عصابات مشبوهة تستأجر بيوتها وشققها خارج نطاق سلطة القانون الذي ينظم مثل هذه العملية.
صباح البتاوين
لاتختلف صباحات البتاوين عن سواها، فما أن تدخل أزقة الحي حتى تجد نفسك بمواجهة، اناس تجمعوا من طول البلاد وعرضها لايجمعهم سوى الضياع، فهذا الجسد الذي يتوسد الرصيف ويغط في غيبوبة بعد جرعة من المخدرات والمشروبات الكحولية ليس سوى شاب تخرج في كلية القانون وكان يحلم أن يدافع عن حقوق المظلومين، غير أنه استسلم أمام الصعوبات الجمة التي رافقت رحلته في البحث عن عمل شريف كما يقول، مادفعه الى تقديم تنازلات من أجل مواصلة العيش، بيد أن الاحباط سيطر عليه ودفعه رويدا رويدا الى سكة الضياع على أرصفة البتاوين، فصار يمضي أيامه مخدرا مستسلما لقوانين البتاوين، بعد أن عجز عن أن يدافع عن حقه وليجد فيها “محمود” انيسا لصحبته وإن كان رجلا لا يستطيع فك حروف اللغة، لكنه يستطيع أن يفك الكثير من أسرار البتاوين وشفراتها.
خمور ومخدرات
ينبري “م” ليروي لي قصة “أبو خالد “ الذي هجر زوجته وأولاده وهو لايتردد عن مهاجمته بسيل من الكلمات لتأنيبه، وكيف أنه ترك امرأة جميلة من عائلة غنية او “توب”بحسب تعبير “ابومحمود” ،لكن “ابوخالد” لايمتلك سوى جوابا واحدا أنها الخمور والمخدرات.
يعيش “و” يومه ويعمل في أحد فنادق البتاوين البائسة وهو فندق مخصص لممارسة الدعارة في النهار، ويقوم “و” بتنظيفه وحراسته مقابل الحصول على جرعة من المخدر وخمرة تكفي لينام بعمق قبل أن يعود للحياة مرة أخرى ليتنقل بين شوارع البتاوين وأزقتها.
أكثر من اتفاق جمعني بـ”ابو خالد “ لكننا ما أن نصل الى لحظة عقد الاتفاق حتى اخترع القصص لكي اتملص منه في الوقت المناسب، وأعالج زعله برغم أنه لاتظهر عليه علامات الانزعاج والفرح كأن مشاعره تجمدت بمبلغ بسيط ينفقه في شراء المزيد من الخمور، فيما احافظ أنا على رفيق يعرف أسرار البتاوين.
فندق سياحي
لاتندهش من عبارة فندق سياحي التي تخط على لافتات أغلب فنادق البتاوين عندما تجد أن هذا الفندق قذر ويفتقر الى أبسط الخدمات فضلا عن الروائح الكريهة التي تنبعث منه، فكلمة سياحي لها مفهوم آخر في البتاوين التي فرضت مصطلحات كثيرة للتعامل ومسميات عجيبة، العبارة تشير الى أنك تستطيع أن تمارس “الدعارة “مع فتيات يجري عرضهن عليك حتى تقتنع بواحدة، ساعدني «ابوخالد» على دخول أكثر من فندق «سياحي» يمارس الرذيلة.
منازل الزمن الجميل
تتميز المنازل في البتاوين برغم أنها شيدت في أواسط الثلاثينات من القرن الفائت، بتناسقها وتشابه طريقة بنائها، وتغطي الزخارف واجهاتها، ولم تتمكن أطنان النفايات من اخفاء ملامحها التي تفوح منها رائحة بغداد القديمة يوم كانت اجمل العواصم العربية، وليس صعبا الاستنتاج ان سكانها كانوا من العوائل الثرية، فجمالية البناء ورفاهيته لاتخطئهما عين متفحص.
زميلي المصور ادهشته الزخرفة المنقوشة ببراعة على مداخل البيوت وأبوابها وهي تشير الى أذواق الناس وطبيعة تلك المنطقة ورقيها، كنت قد دخلت منزلا مهجورا لكنك تستطيع أن تتلمس اثارا لطريقة بناء البيوت في هذا الحي، فالفتحات الصغيرة والشبابيك بنيت بطريقة تواجه أيام الصيف القائضة وكان السكان يضعون طبقة من العاقول أو الشوك الأخضر، ويتوسط المنزل فناء مفتوح “حوش” ترى السماء منه وتحيط به غرف عديدة وسلم يقودك منه الى الطابق العلوي الذي يشبه تصميمه الطابق الأرضي، الا ان رواقا طويلا يزنرها تحيط به غرف كثيرة تطل أبوابها على الحوش الأسفل والمرصوف بالطابوق”الفرشي” الذي ظل يستخدم في بناء البيوت حتى نهاية الستينات من القرن الماضي، وسلما آخر يؤدي من الحوش الى “السرداب” القبو.
نكبتان
يقول اشهر الدلالين في البتاوين ان الحي قديم وهو يشير بيديه: هنا منزل عوائل الاورفلي وهناك مدير شرطة بغداد، وقريبا من شارع ابي نواس ينتصب بيت المعمارية العراقية الراحلة زها حديد، وتبدو مداخل البيوت وواجهاتها متشابهة فالعواميد “الدنك” التي ترفع البيت من الداخل في غاية الجمال والروعة في المعمار تطرزها نقوش مختلفة على طابوق البناء لتضفي عليه رونقا وبهاء.
ويؤكد هذا الدلال الذي امضى طفولته في البتاوين أن معظم قاطني دور هذا الحي وعلى جانبي شارع السعدون كانوا من اليهود والمسيحيين، مشيرا الى أن المنطقة مرت بنكبتين اسهمتا في تحويل معالم البتاوين وتغيير طبيعتها، الأولى عندما جرى تهجير اليهود ونهب ممتلكاتهم عام 1948 ،عندها دخل غرباء من مستوى لايليق برقي وطبيعة وتقاليد أهالي البتاوين مادفع العديد منهم لاسيما العوائل المشهورة الى الانتقال الى مناطق أخرى، والنكبة الأخرى في التسعينات عندما هاجر العديد من سكانها المسيحيين وجرى تحويل منازلها الى فنادق واوكار لبيع الممنوعات وممارسة الدعارة حتى كأن كل الأمور السيئة التصقت بالبتاوين.
حشيشة بن لادن!
كان موعدي الآخر مع “وليد” في حدائق ساحة التحرير المواجهة للباب الشرقي، والمهمة هي شراء نوع من “الحشيشة الافغانية من أحد التجار هناك “ اعتاد وليد ان يتعامل معه حيث يرسله بعض زبائن الفندق لشراء نوع من الحشيشة تخلط مع “الناركيلية “ وهي الحشيشة الأكثر رواجا في العراق، لسهولة توزيعها بين الزبائن في المقاهي والجامعات، واماكن تجمعهم، فضلا عن الملاهي التي تقدم فيها نوع آخر اسمه “بن لادن” وهو نوع من الحشيشة اخذ هذا الاسم، اذ لايستخدم مروجو المخدرات الأسماء المعروفة عنها وانما يستعيضون بدلا عنها بأسماء تنبثق من عالمهم الذي يشفر الكلمات ليحتفظ بغموضه وسريته..
عبرنا الى الجهة الأخرى المقابلة لمنطقة البتاوين اي الباب الشرقي، وهي منطقة لها قوانينها واسواقها المفتوحة على كل مالايخطر أو يخطر في البال وتبدو كأنها بمثابة الحديقة الخلفية لحي البتاوين، وسط ازقة ضيقة وملتوية قطعت مع وليد المساحات، قريبا من مقهى في نهاية زقاق ضيق ثمة مقهى صغير، قبل ان نصل اليه طلب مني وليد الانتظار بعيدا، ريثما يتحدث مع شخص اسمه “احمد” بعد دقائق كان احمد يتفحصني بعينين واسعتين من رأسي حتى اخمص قدمي، قبل ان يأتي وليد ليسألني عن اي صنف اريد، ارتبكت فهذا ماكنت أخشاه لا اعرف الاصناف ولا الأنواع ولا الأسعار، ولكن لم اجد سوى رد اعتدت على استخدامه في ما اجهله وهو وماذا لديه من اصناف، لم يكن جوابي كافيا ليطمأن احمد الذي دعانا الى الجلوس وتدخين الناركيلة لكني اختلقت الأعذار بصعوبة لأتخلص من هذا الموقف بعدما ماتيقنت ان هذا الشخص يريد ان يختبر جديتي في تعاطي المخدرات قبل ان يتعامل معي..
وكثيرا ماتعلن الشرطة العراقية عن القاء القبض على مروجي الحبوب المخدرة والأقراص الإباحية في منطقة البتاوين”، لكن منظمات المجتمع المدني تتهم الشرطة في منطقة السعدون بحمايتهم مقابل الحصول على رشى كبيرة.
ويؤكد المتحدث الرسمي بأسم امانة بغداد عبدالحكيم عبد الزهرة لـ “الشبكة” ان منطقة البتاوين منطقة مهمة وتقع في قلب العاصمة بغداد، لكن وفقا للقوانين العراقية لاتعد البتاوين من المناطق التراثية كما هو حال شارعي الرشيد والنهر اللذين طرح مشروع تطويرهما على شركة امارتية، مستدركا القول ومع ذلك فاهمية المنطقة وعمرها الطويل واقترابها من العمر التراثي يجعلها من ضمن اولى الاهتمامات، فقد سكنتها عوائل لعبت دورا مهما في تاريخ العراق كعائلة الاورفلي وعائلة المعمارية زها حديد وغيرهما من الشخصيات الفنية والسياسية فضلا عن موقعها المهم يضعها في اولوية خططنا ودراستنا لتطويرها. .
وقال المتحدث باسم امانة بغداد “ ان موضوع تطوير البتاوين متشعب ويحتاج الى اموال ونحن نريد عرضها على شركات عالمية لتطويرها ،لكن رغبتنا تصدم بمعوقات عديدة بينها المعوقات المالية”.