الحارثية الحي الراقي الذي أرعبته آمرية الانضباط العسكري !

1٬178

عبد الجبار العتابي/

ذاع صيتها واشتهر في أرجاء العراق، ليس لجمال اسمها ولا لرقيّ مجتمعها ولا لأهميتها الجغرافية وسط بغداد أو بهاء أبنيتها فقط، بل بسبب آمرية الانضباط العسكري، سيئة الصيت، التي تقع على أطرافها. لقد كانت تشكل مصدر رعب للعراقيين لأنها أتعس أمكنة التوقيف للهاربين من العسكرية وأسوأ أدوات تعذيبهم، فيما هي الآن مدينة للأطباء والصيادلة وتجار العملة الصعبة.

وقد أغلقت أغلب شوارعها الفرعية بعد ان ازدحم شارعها الرئيس واصطخب بالناس والسيارات وبالبضائع. وقد تضررت بعض أماكنها وصارت تتأسى على ذلك الهدوء الذي كان يميزها .

أرقى أحياء بغداد

حدثتي الروائي الراحل محمد شاكر السبع (1943 – 2016) أن أباه اصطحبه الى منطقة الحارثية في الخمسينات ليرى المكان الذي مُنح فيه قطعة أرض سكنية، يقول السبع: حين وصلنا شاهد أبي المكان، وقد كان مساحة من الأرض على شكل مزرعة واسعة وخالية من البناء إلا قليلاً، وهنا توقف أبي وطلب ان نرجع وقد رفض قطعة الأرض التي أعطيت له وهو يقول: هذه بعيدة جداً عن بغداد!! وضحك السبع من تصورات أبيه لأن الحارثية اصبحت من أرقى أحياء بغداد، وليته رآها الآن.

كانت تلك الحارثية قبل منتصف القرن الماضي، وبالتحديد أيام الحكم الملكي. حيث كانت أرضاً زراعيةً تابعة للقصور الملكية المتمثلة بقصري (الرحاب والزهور)، تُربى فيها الغزلان وتزرع فيها الخضر والفواكه مثلما زرع فيها عديد من النخيل. وقد أولى الملك فيصل الأول اهتماماً خاصاً بالحارثية نظراً لموقعها المتميز وتربتها الخصبة، كما ساهم (نهر الخر) في رفدها بالماء قبل ان يتحول الى نهر للقاذورات. و(الخر) نهر موغل في القدم، سُمي أواخر الثمانينات من القرن الماضي بـ ( الخير)، وتم طمره أواخر التسعينات لأنه يمر قرب مجمع المخابرات العراقية في الحارثية .

الحارثية .. حدود الكرخ

كانت المسافة بين الحارثية والكرخ (مركز بغداد) بعيدة جدا، افتراضياً، قياساً للفراغ بين المكانين قبل ان تتقلص المسافات بالبناء الذي توسع ومن ثم تحولت الحارثية الى حي عصري بعد وزعت الأراضي الى قطع سكنية استطاعت ان تشرئب بأعناقها لتكون بيوتاً لافتة للنظر بأشكالها الجديدة الجميلة وخاصة بعد ان شقّها شارع حديث عريض سنة 1961 هو شارع الكندي الذي يبدو انه أخذ اسمه من العلّامة العربي المسلم أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي.

تلول وأطلال

على الرغم من أن حال المدينة القريب كان مزرعة وتوابعها، إلا أن تاريخها يمتد الى عمق التاريخ البغدادي العباسي حتى وان كانت تسمى قرية ضمن الاصطلاح القديم. وقد كانت نقطة مضيئة في الحياة الاجتماعية آنذاك لا سيما ان بطون الكتب حملت لنا أسماء العديد من الشخصيات المهمة والمؤثرة التي عاشت في هذه القرية التي يشار الى أنها تقع غربي بغداد، او في الجانب الغربي لبغداد. وقد حملت هذه الشخصيات اسم الحارثية لقباً لهم ومنهم (سيبويه/ (148 – 180 هـ = 765 – 796 م) الذي عاش فيها وكذلك قاضي القضاة سعد الدين مسعود الحارثي المولود فيها سنة (653 م) ، وبالتأكيد فإنها كانت تمتلك مقومات حضورها التي جعلتها تلتصق بأسماء المولودين فيها والعائشين فيها. ولكن هذه القرية، كما يبدو، خضعت لتقلبات الأزمنة وحوادث الأيام، وكانت لها مع الزمن حكايات مؤلمة على مراحل مختلفة لذلك صارت مجرد تلول وأطلال دارسة.

آمرية الانضباط العسكري

المكان.. الذي يحمله حي الحارثية يضم مكاناً طالما كان مرعباً الى حد الموت، لايزال طرياً في الذاكرة العراقية وتجذّر فيها ويمتد الى ثمانينات القرن الماضي حين انتفخ اسم الحارثية ليتخلى عن جمالياته فيكون وجهاً بشعاً تمثل في آمرية الانضباط العسكري، التي يجب ان تردف بالتساؤل الغريب (وما أدراك ما آمرية الانضباط العسكري؟)، التي هي عبارة عن (موقف) مثير لكل خلايا الفزع عند الانسان ، ومنه تتفجر آلاف الحكايات الغريبة حتى صار المرور من المكان مخيفاً وكأن العابر من هناك سيلقى القبض عليه .

كانت سيارات الأقفاص العسكرية تقف في العديد من الأماكن من بغداد يقوم عليها جنود بملابس مدنية واخرى عسكرية معروفة بخطوطها الحمر وغطاء الرأس (البيرية الحمراء) الذين صار المواطن العراقي يطلق عليهم لقب (الزنابير) وهم يجوبون الكراجات والشوارع والمقاهي وغيرها بحثاً عن الجنود لزجّهم في سياراتهم وفيها يأخذونهم الى الآمرية لملء سجونها. وقد كان البعض من الانضباطية لا يتحرج من قول (انهم يريدون منا عدداً)، وهذا يعني ان جميع الجنود معرضون لإلقاء القبض والزج بهم في دهاليز الانضباط العسكري، حيث يجدون بانتظارهم المجلس التحقيقي في المحكمة العسكرية الارتجالية المعروفة بأحكامها العرفية فيساقون الى غياهب المجهول ثم الى وحداتهم العسكرية بعد ان يكونوا قد شبعوا ضيماً.

ويؤكد شهود عيان ان معسكر الحارثية والذي كان مخصصاً لتدريب الانضباط العسكري او من المفترض أنه أُسِّسَ لهذا الغرض, تحول في فترة الحرب العراقية الإيرانية الى معتقل كريهٍ لا يُطاق ورمزٍ لإذلال الجنود الرافضين المشاركة بالحرب حيث شراسة منتسبي الانضباط والضرب المُبرِّح بالعصيِّ والسباب السوقي المُقَزِّز ناهيك عن تكديس الأعداد الكبيرة من الجنود داخل سراديب ضيِّقة قذرة لا يضمن فيها أحدٌ سلامتَهُ من الأمراض المُعدية إلاّ القمل ! وتستمر هذه الحال أحياناً لمدة اسبوعٍ يجري بعدها تسفير الجنود الى جبهات الحرب، وطبعاً يكون التسفير فقط للجنود الذين التحقوا (نادماً)، أمّا غيرهم فالرصاص بانتظارهم . هناك في تلك السراديب الخانقة حيث يُرمى بالصمّون اليابس كالأحجار على رؤوس الجنود وحيث لا إمكانية للنوم أكثر الأحيان إلاّ جلوساً وما من أفرشة ولا أغطية، وكان استخدام المرافق الصحية يتمُّ على مرأى الجميع, والطريف أنهم كانوا يطلقون على هذه السراديب اسمَ “قاعاتٍ” !

ثانوية الكندي

كانت ثانوية الكندي للبنين، إحدى معالم حي الحارثية، تحتل مكاناً مميزاً على طرف منه، وحاضرة بوجودها منذ الستينات، لكنها في لحظة ذابت وتبخرت بأوامر من الطاغية صدام الذي زار المدرسة ثم أمر بهدمها ليشيد مكانها جزءاً من قصره الذي أسماه (قصر بغداد) والذي بناه في ظل ظروف الحصار الاقتصادي الظالم .

عالم للمرضى

يقع حي الحارثية في الجانب الغربي من بغداد، تحده من الشرق منطقة كرادة مريم وخط القادسية السريع ومن الشمال متنزه الزوراء الذي يواجهه شارع الزيتون ومن الغرب شارع دمشق وحي المنصور المتمثل بمعرض بغداد الدولي ودائرة المخابرات ومن الجنوب حي القادسية وجزء من المنطقة الخضراء، وتتوزع الحارثية حالياً على محلتين حسب الترقيم الجديد لأمانة بغداد هما 211 و 213، وفيما تحتل محلة 211 المساحة الأكبر فإن محلة 213 القريبة من المنطقة الخضراء لا تتجاوز مساحتها اكثر من كيلومترين مربعين، والتي تضم محكمة الساعة ومايسمى قصر عدنان. لكن المحلة الأولى بشارعها (الكندي) تحولت الى عمارات ومستشفيات وعيادات ومجمعات كثيرة للأطباء والصيادلة والمختبرات الطبية ومذاخر الأدوية التي امتدت الى الشوارع الفرعية وصارت عالماً من دواء وأجهزة طبية وأطباء وممرضين ومرضى وسيارات جعلت من هذه الشوارع مواقف مجانية لها، فضلاً عن مكاتب صيرفة العملة والمحال التجارية والمطاعم والأسواق المختلفة التي صار اكتظاظها علامة فارقة، فيما غاب الهدوء الذي كان يسود الحيّ ويميزه عن سواه الى سنوات وإن كانت بعض الشوارع ماتزال تحتفظ بجماليات بيوتها ورقيها، فقد تعمدت ان أتجول في أغلب شوارعها التي ما زالت بيوتها تزهو بجمالها وأشجارها وحدائقها حيث لم يصلها بعد الزحف الضار على الرغم من ان طرقاتها مغلقة بالحواجز الكونكريتية .