الشـــورجة مركز العراق التجاري منذ “العباسيين” وإلى اليوم

508

عبد الجبار العتابي/

بالرغم من تطور الأسواق وكثرتها وتسمياتها الحديثة، إلا أن سوق الشورجة لم يتأثر بها وظل الوجهة الأولى للمتسوقين والمسترزقين من مختلف أنحاء العراق، إذ بقي حاملا أوجاع الفقراء وهمومهم وفاتحا أبواب الرزق لهم.

ألف عام

ما زال سوق الشورجة صامدا بوجه كل رياح المتغيرات وعواصف الأزمنة لأكثر من ألف عام، وإن تغيرت ألوانه وخرائطه والكثير من التفاصيل في حياته، بفعل الحرائق والهدم والشيخوخة، ولا يزال الناس يتوجهون إليه جماعات وأفرادا للتزود مما فيه من بضائع وسلع بالجملة والمفرد، مثلما لايزال هناك الكثير من المواطنين يسترزقون منه ويعيشون في أيامه عيشة راضية برغم الصعوبات التي تواجههم، لاسيما أن السوق عاش أياما عصيبة تمثلت في غلق شارع الخلفاء بالكونكريت المسلح بسبب التفجيرات الارهابية التي راح ضحيتها الكثير من هؤلاء الباعة، لكنه سوق واسع وكبير يمتد عرضيا الى ثلاثة شوارع مهمة في بغداد هي: الرشيد والخلفاء والكفاح، فيما المتعة التي كانت في سنوات ليست بعيدة فيه وإن بقي جزء منها فقد بددها الحصار الاقتصادي في التسعينات والحروب العبثية وتكدس الفقر في المجتمع العراقي، وهو ما جعل السوق يضج بالزحامات واختلاط البضائع بغيرها على غير ما كانت عليه وتراكمات الأشياء الفوضوية على طرقات السوق الضيقة وأرصفة الشوارع التي يقوم السوق على أطرافها، ومع ذلك .. فمن اينما تأتيه لابد أن تشعر بالمتعة التي يوفرها التجوال في ارجائه، حيث التطلع الى جماليات الأشياء المرتبة والمعروضة بأشكال مثيرة للدهشة والروائح الطيبة المنبعثة منها، لاسيما أن كل ما لا يخطر على البال موجود فيه، فضلا عن نداءات الباعة التي تتناغم ايقاعاتها لتتشربها الاذان بشيء من البهجة لاسيما أن بعضهم يغني تلك النداءات أو يجعلها كوميدية أو ساخرة كأنه يضع ضيم قلبه فيها.

أطوار متعددة

أكد مؤرخ المحلات البغدادية رفعت مرهون الصفار: أن سوق الشورجة مر بأطوار عدة، فكان أول مرة سوقا زراعيا ثم سوقا للريحانيين (باعة العطور والافاوية) وبعدها سوقا للعطارين ثم غلبته في العهود الأخيرة تسمية الشورجة حيث يباع فيه كل شيء، ويقول: كان سوق (الريحانيين من أهم الأسواق في بغداد وقد أشتهر باعته بتجارة المواد العطرية والتوابل، ونظرا لأهمية المواد والسلع الداخلة في تجارته فقد تحول الى مركز تجاري نشيط في بغداد إبان القرون العباسية المتأخرة، وزاد من أهميته أن السور الخارجي لدار الخلافة شيد موازيا له وأصبح بذلك مجاورا لأهم مركز اجتماعي في بغداد كلها، وبظهور المؤسسات الثقافية والدينية حول دار الخلافة وبجوارها مثل جامع القصر الذي سمي في العصور المتأخرة بجامع الخليفة ثم جامع الخلفاء.
ويضيف الصفار: وبالرغم من جمالية تسمية الريحانيين وشاعريتها إلا أن السوق عرف بالعهود المتأخرة ولعلها مما تلا الاحتلال المغولي لبغداد باسم (سوق العطارين)، وفي القرن الحادي عشر اطلقت عليه تسمية جديدة لم تخل من غرابة وهي تسمية (الشورجة)، ويؤكد الصفار أن أول اشارة الى سوق الشورجة جاءت في القرن الحادي عشر الهجري حينما سجل الرحالة التركي (اوليا جلبي) اسماء بعض محلات بغداد فذكر من بينها سوق الشورجة، وكان مجيء الرحالة الى بغداد مرتين في منتصف القرن الحادي عشر 1058 و 1063.

معنى الشورجة

تباينت الآراء في معنى كلمة (شورجة) التي حمل السوق تسميتها وأشتهر بها على مر أكثر من عشرة قرون، فهناك من يقول أن بعض الناش انشأوا حماما فيه بئر مياهه مالحة ومع مرور الزمن وازدياد شهرة الحمام أصبح اسمه يطلق على جواره ومنه جانب من سوق العطارين حتى أصبحت التسمية عامة، فالعلامة الدكتور مصطفى جواد ومعه الشيخ جلال الحنفي يؤكدان أن الكلمة مشتقة من اللغة التركية او الفارسية (شورة = الملح) و (جاه او كاه = نسبة او مكان)، فيما للاستاذ سالم الالوسي رأي آخر وهو أن (جانبا كبيرا من محلة الشورجة كانت فيه معاصر (للسيرج) الذي يستخرج من السمسم (عصير السمسم) ثم تحرفت الكلمة من (الشيرجة) الى (الشورجة)، أما المحقق عبود الشالجي فيقول (في زمن العثمانيين كان في المنطقة الشرقية لبغداد حمام للرجال باسم الحمام المالح، وأراد أهل محلة الدهانة انشاء حمام جديد وحاولوا ايصال الماء اليه من دجلة وكان ماؤه أقل ملوحة من ماء الحمام الذي يستقي من البئر لذلك سمي الحمام الجديد (ئوره جاه) ومعناه بالتركية الأقل ملوحة، وأصبح اسمه حمام الشورجة ومن ثم سميت المنطقة باسمه (منطقة الشورجة).

موقع الشورجة

يبدأ سوق الشورجة، في شكله الحقيقي، من جوار المدرسة المرجانية المعروفة بجامع مرجان على الجانب الأيسر لشارع الرشيد قبالة سوق البزازين وشارع السموأل ثم يأخذ السوق امتداداً عرضياً نحو شارع الخلفاء (الجمهورية) ،وتطل نهايته على شارع الكفاح (شارع غازي) والى محلة الكولات التي تحول بعض دورها إلى مخازن ومحال لبيع السكائر وتصريف العملة الأجنبية، لكن السوق تأثر كثيرا بعد شق شارع الرشيد 1916 الذي اخذ جزءا منه، وشارع الخلفاء 1957 الذي شطر الشورجة الى قسمين، واخذ منه مساحات كبيرة تمثلت في هدم العديد من الخانات والدكاكين والجوامع وغيرها وقد أدى ذلك الى انحسار تجارة بعض السلع وتغيير خارطة المكان.

محلة الشورجة

ظهرت محلة الشورجة كمنطقة سكنية تحيط بالسوق وقد اشير الى هذه المحلة السكنية أواخر القرن الثالث عشر الهجري نحو (1880 الميلادي) وقد سكنتها اسر بغدادية معروفة لها شأن في العديد من المجالات ومنها التجارة، ولكن كما يبدو أن هذه المحلة لم تستمر طويلا إذ أنها لم تذكر كمحلة قائمة بذاتها ضمن المحلات الرسمية لمدينة بغداد أوائل القرن العشرين، وأن السوق خلال تلك السنوات أتى على المحلة لتتحول الدور السكنية الى محال تجاري أو خانات بعد أن صارت الشورجة مركزا تجاريا كبيرا ومتقدما، ما عدا بعض البيوت في منطقة (تحت الطاق) المجاورة لخان مرجان التي هي الأخرى تعرضت للاندثار وتحولت الى محال تجارية.

ذاكرة مفعمة

ذاكرة السوق مفعمة بالاسماء والأحداث على مدى ألف عام تجسد تاريخ السوق بعطائه وهيبته وتواصله، وتؤكد أن السوق يكبر قرنا بعد آخر وتزدهر فيه الأسواق وتتلاشى الخانات والجوامع والحمامات والمقاهي ومن بينها مقهى (قدوري العيشة) التي يرتادها قراء المقام العراقي ومنهم حسن خيوكه (1912- 1962) بصحبة صديقة الملاية (1901 – 1969)، وقد شهد السوق منذ نشأته العديد من الحرائق لأسباب مختلفة ابتداء من عام 512 هجرية وليس اخرها ما يحدث بسبب التماس الكهربائي فتلتهم النيران أرزاق الناس لكنها لم تحبط أعمالهم، وتذكر الوقائع أن المرة الوحيدة التي أغلق فيها التجار محالهم في هذا السوق كانت يوم تشييع الملك غازي عام 1939،فيما كانت أيام حظر التجوال بسبب الارهاب ضربات موجعة للفقراء الذين يسترزقون من السوق.