رأس القرية علامة فارقة في متاهات شارع الرشيد

565

عبد الجبار العتابي/

للاسم.. بصمة واضحة على مساحة شارع الرشيد مثل نقطة ضوء ملونة، ومكانة مميزة في الذاكرة الجمعية للناس، فهذا (الرأس) ما كان سوى قرية لها حيويتها في أزمان بعيدة فيما الأزمنة الأخرى غيرتها، اسم مجدد من اسم (الكريّة/ بالكاف الاعجمية) لكنها استمرت تتواصل في انتاجها للأحداث التي اكتظت بها، فكانت علامة فارقة في شارع الرشيد.
على مقربة من جسر الأحرار، وعلى بعد أمتار من ساحة حافظ القاضي في رصافة بغداد، يقع ذلك الرأس لتلك القرية التي يمتد جسدها الى سوق الصفارين وعمرها الى مئات السنوات وقد اكتملت لديها مؤهلات وجودها وحضورها فتألقت ونالت نصيبا من أضواء الشهرة، تنظر الى الرأس الان وهو جزء لا يتجزأ من شارع الرشيد الذي شطر القرية الى قريتين فكانت قسوته بادية على ملامحها التي ضاع الكثير منها، وما بقيت منها الا ازقة ضيقة ملتوية (درابين) مغرقة في القدم والعتمة، تلتمّ على نفسها ويؤازر بعضها، ولكن ثمة جديدا مثقلا بهموم الاهمال والخراب، حالها حال شارع الرشيد المهمل الكئيب المتداعي، رأس القرية لم يعد انيقا ولا مرتبا، بل اشيب واشعث ومصاب بالصلع وتملأه بثور ودمامل تشوهه ويرتجف من الصخب، فيما من السهولة ان نتخيل عينيه وهما تذرفان الدموع.
لقطات من تأريخها وتسميتها
اينما وكيفما تنظر تواجهك الدهشة فتسلب منك الحركة، دهشة على الأرض من خلال الأرصفة الملآى بالناس والبضائع والنفايات، وما فوقها حيث المباني التي تدعو الى ان يتأمل الناظر شكلها ويتعمق في رؤية ما كانت عليه وقت بنائها من سحر وجمال، أشياء مذهلة في السلب والايجاب، ربما تنتابك الحيرة في ان هذا الكمّ الهائل من الدهشة ليس له من نصير وهو على مسافة قصيرة من ان يختفي، ربما تأكلك الحيرة وتقول بصوت خفيض (يا ألهي..اين انا؟) ، ولا تنتظر كثيرا ليأتيك الجواب: انك في رأس القرية!!.
رأس القرية.. احدى محلات بغداد الرئيسة في الجانب الشرقي من نهر دجلة وتسميها العامة من الناس رأس (الكرية/ بالكاف الاعجمية)، ويفسر الدكتور مصطفى جواد معنى اسم رأس القرية قائلا أنه يعني بداية الاراضي السهلة او الواطئة المنخفضة ويلاحظ ان عقد الكاوور / عقد النصارى / مثلا يكون عرضه لمياه الفيضان والأمطار اكثر من غيره من الأماكن.
ويذكر الدكتور عماد عبد السلام في كتابه (الأصول التأريخية لاسماء محلات بغداد) ان (القرية) بالتصغير هو (اسم لمحلة عرفت منذ العصر العباسي وكانت تعد ضمن محلات دار الخلافة العباسية، بامتداد يصل الى جامع السيد سلطان علي، وقد تقلصت الى حدودها الحالية في القرون التالية. كما يشير الدكتور عماد الى ان محلة سلطان علي كانت تعد في العصر العباسي جزءا من محلة القرية (راس القرية) وكان شاطئها في ذلك العصر يزخر بدور الاعيان، ومن منشآتها الثقافية المدرسة التي انشأها مجاهد الدين الدويدار الصغير في عهد خلافة المستعصم بالله، ثم هجر العمران هذه المحلة تدريجيا، حتى بات جامع السيد سلطان علي وفيه قبره، وسط البساتين هناك، وبذا انحسرت تسمية القرية الى (رأسها) فقط، اي الى منطقة شارع النهر، في امتداد لا يتجاوز موضع جسر الأحرار الحالي.
حديقة الزعيم
ذهبت عابرا فيها بسرعة الى ان توقفت قريبا من الحديقة الصغيرة التي يقوم فيها تمثال الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم، هنا جزء من رأس القرية الذي صار مركز استقطاب لاسم (رأس القرية). عاينت أوجه المكان، كانت لا تسر الناظر، عوالم من صخب وفوضى وعربات يجرها أو يدفعها شباب حيث دخول السيارات ممنوع، وعربات تقف كيفما اتفق فيما نهر الشارع وارصفته على ما لا يرام تماما، حاولت الاستفسار عن هذا المكان من اصحاب الذاكرة القوية والبحث في العمق التأريخي، فالذاكرة تؤكد ان المكان في اصله البعيد الى نحو مئة عام على الأقل كان حديقة (متنزها)، هو جزء من حديقة اوسع تمتد الى المقتربات الى عشرات الأمتار ثم حولتها أمانة بغداد في السبعينات الى مرآب لوقوف السيارات حتى عام 1988 حيث بني المكان على شكل نصف دائرة لاصحاب الانتيكات المختلفة فيما تم نصب تمثال للمجرم عبد الوهاب الغريري الذي حاول اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم ولكن بعد عام 2003 تم تحطيم هذا التمثال ونصب تمثال للزعيم عبد الكريم بدلا عنه.
هذا المكان يعدّ الاضيق مساحة في شارع الرشيد لذلك اختاره الذين غدروا بالزعيم في محاولة اغتياله التي جرت في السابع من تشرين الأول 1959، قال احد منفذي عملية الاغتيال: (اتفقنا على اختيار رأس القرية، على شارع الرشيد، لأن هذه النقطة هي أضيق النقاط في شارع الرشيد، ومن أشد المناطق ازدحاماً فيه، وفيها تسهل عرقلة ركب عبد الكريم قاسم، ويسهل أيضاً الاختفاء بها والهروب منها، داخل الأزقة الضيقة المتفرعة من الشارع.. لكن الزعيم نجا باعجوبة من وابل الرصاص الذي إنهال عليه وهو جالس في سيارته، وهرب الجناة).
اصغر دكان في العالم!!
في هذا المكان وبالتحديد قبالة تمثال الزعيم عبد الكريم يوجد اصغر دكان في العالم ربما، فطوله متر ونصف المتر وعرضه ثلاثون سنتمترا، لم يكن هنالك عمق في الدكان!!، بل مجرد اربعة رفوف عتيقة تمتد على ارتفاعه، تقف عليها بضاعة من الملابس الداخلية الرجالية والجواريب والسكائر، كان يقف على بابه صاحبه (مزعل عذاب / ابو جمعة) من مواليد عام (1925) الذي ترك العمل لأسباب الشيخوخة لابنه، وسبق لي ان تحدثت مع الرجل قبل أن يترك العمل وقال لي انه من ازاح الستار عن تمثال الزعيم عبد الكريم قاسم.
اسماء ملفتة للانتباه
الذين يتحدثون عن تأريخ المكان يرسمون له ابعادا ثقافية واجتماعية وحياتية واقتصادية غاية في الرقي والروعة ابتداء من الأبنية المميزة بمعمارها وزخرفتها وشناشيلها وليس انتهاء بالشخصيات التي سكنت فيه أو كانت لها محال تجارية، فيتحدثون عن جامع العادلية والمحكمة الشرعية وحمام القاضي وشريعة الوالي وشريعة النواب وسوق المحلة وحمام حيدر ومركز شركة استيفن لنج التي اتخذتها الحكومة العثمانية مركزا للشرطة، حيث تمتاز بناية بيت لنج بالريازة البغدادية. ولا يمكن لاحد ان يغفل مكتبة مكنزي الشهيرة التي تأسست في بغداد عام 1920 باشراف صاحبيها البريطانيين (ادنون مكنزي وكنت مكنزي) حيث تحتل المكتبة حيزا جيدا في بنائها الأرضي وكانت تلفت الأنظار بابوابها البيض، وهي التي اسهمت في تعزيز الثقافة العراقية وعملت على توسيع قاعدة المثقفين العراقيين فكان دورها واضحا في نشر الكتب باللغة الانكليزية.
صور لا تتشابه
عيناي ترفرفان بنظراتهما ، تمتد ما بين الماضي والحاضر، الصور لا تتشابه، بل هناك النقائض تتجسد، احاول ان اغمض عيني، انظر الى الدرابين المتشابكة غير المعبدة، ارى السقائين يمرون فيها والـ (لمبجية) وهم يضيئون الفوانيس، واستمع الى العديد من اللهجات واشاهد الأزياء المختلفة للناس هناك الذين اكاد اراهم كمواطنين بغداديين يعانون من تقلبات الأزمنة وصروف الحياة.
اجدني مضطرا الى ان استذكر ما كتبه ابن هذه المحلة الكاتب كمال يلدا عنها: (في رأس القرية، تأريخ جميل صنعه اناس عاديون، هي مجموعة أزقة غير منتظمة، تسـير كما الأوردة في الجسـم، بكل الاتجاهات، تلتوي وتستقيم لكنها احب الأزقة الى قلبي).
وأسمع منه وهو يتحدث عنها قائلا: (أزقة يصعب على اثنين ان يلجاها، الا ان يكون الواحد خلف الآخر.. ازقة ملآى بالحنين والذكريات وصراخ الأولاد وحتى الســباب، هذا بيت عصام، وبيت ام ملوك وبيت ابو نشعة وبيت حسن الاوتجي وبيت ابوعادل وبيت الشـرحة، قصور مصغرة جميلة مثل لعب الاطفال واناسـها مرصوصون مثل السمك في علب الساردين، لو مررت ظهرا، عـبق الطعام ورائحة الرز الزكية تملأ اجواء هذه الأزقة، وأما في العصريات، تتجمع النسوة عند الأبواب بعد ان اسـتحممّن وبانت خدودهـن كـتـفاحات جميلة، مع الكرزات وحوارات اليوم)
لقطة أخيرة
اكاد ارى الحياة هناك في تطوراتها وقد اخبرني بعضهم ان المكان كان حتى الستينات مدهشا في كل شيء، وان اي مسؤول من اية دولة يزور العراق كان لابد له ان يمر منه ويستمتع بما يرى وقد كان غاية في النظافة والهدوء والجمال، لكنه الآن يجعل المرء لا يتنفس سوى الحزن وهو يرى المساحات تتغير كثير نحو الاسوأ والبنايات تتسابق في كسب ألوان سيئة واشياؤها تنثلم هنا وتنحني هناك وتتورم أو تنفجر معلنة غيابها الذي لم يعر له أحد انتباها.