مباراة الصدمة الأرجنتيــــن / السعوديـــــة في مونديال قطر

103

محمود خوام /

بكل تأكيد مازالت مباراة السعودية والأرجنتين هي العنوان الأبرز لهذا المونديال ، مباراة اعتبرها البعض أكبر صدمة في تاريخ كأس العالم . لكن لكل قصة هناك بداية، ولكي تصل الى نهاية القصة يجب عليك البحث عن بدايتها. مدرب المنتخب السعودي هو (رينارد)، مدرب لديه تجارب تدريبية كثيرة في فيتنام والصين وفرنسا وإنكلترا .
كما درب منتخبات زامبيا وساحل العاج والمغرب، والآن يدرب السعودية، ويمكن القول إن رينارد هو مدرب تألق في مسيرته الدولية أكثر من مسيرته مع الأندية.
أدرك رينارد أن موطن قوته هو الكرة الدولية، وكسب شهرته من الكرة الإفريقية حين قاد زامبيا وساحل العاج للفوز بكأس أمم إفريقيا، ثم قاد المغرب للوصول الى كأس العالم بعد عشرين عاماً، بعدها قدم استقالته بعد الخروج من الدور الأول.
حين تسلم رينارد تدريب المنتخب السعودي، كانت هناك شكوك وبعض الانتقادات من الإعلام السعودي، ولاسيما أنه في أول خمس مباريات للمنتخب فاز مرتين فقط، لكنه تعادل مع اليمن ومالي وفلسطين، وبدون نسيان مباراة جامايكا الصادمة التي خسرت فيها السعودية. لكن كل شيء تغير بعد ذلك خلال تصفيات كأس العالم، وتحديداً حين قام بتغيير خططه، وتأكيد الاتحاد السعودي على أن مشروع البلاد رياضياً سيكون بقيادة رينارد، الذي جرى توقيع عقد معه لغاية 2027 يجعله المتحكم الأول بكل شيء في المنتخب.
وكانت الفكرة الأولى هي تقديم كل ما هو ممكن لرينارد، وهذا ماجعل اللاعب السعودي يدرك أن الشخص الذي أمامه هو الشخص الذي سيدربه لبقية مسيرته الدولية، وليدرك اللاعب بأنه يجب أن يستمر بتقديم أداء عالٍ، وبأن يبقى ملتزماً ليبقى موجوداً في المنتخب.
لاعب المنتخب المالكي ذكر أن رينارد قال لهم بين الشوطين أموراً جعلتهم يخرجون الى الملعب وهم مستعدين لأكل العشب.
دائماً ماكان رينارد ذلك الشخص “الغريب” الذي لديه قناعات خاصة به، وكمثال، يعتبر رينارد القميص الأبيض هو تميمة الحظ بالنسبة له، لذا قام بارتداء القميص لأول مرة في مباراة زامبيا الأولى بكأس إفريقيا، ثم حين بدله في المباراة الثانية بالأزرق تعرض الى الهزيمة، ليعود منذ ذلك الحين الى القميص الأبيض ويكمل مشواره بالفوز بالبطولة.
“رينارد من الأشخاص الذين يحبون اللعب بعاطفة اللاعبين”، ذكر ذلك لاعبة السعودية الذي دخلوا في نوبة بكاء مابين الشوطين بسبب تأثير كلمات رينارد.
حادثة مشابهة تماماً لما حدث حين كان مدرباً لزامبيا، حين اصطحب اللاعبين الى الشاطئ الذي سقطت فيهه طائرة لاعبي منتخب زامبيا عام 1993 وتوفي حينها كل لاعبي المنتخب، وتحدث الى اللاعبين بأنه يجب صنع المجد من أجل أرواح أولائك اللاعبين، من أجل زامبيا، وهذا الشيء خلق عاطفة كبيرة لدى اللاعبين، وشاهدنا منتخباً كان مستعداً للموت في الملعب.
تحدث رينارد عن الكرة السعودية فقال: “في السعودية هناك العديد من اللاعبين المهاريين، لكن يجب عليهم تعلم كيفية الانضباط وكيفية اللعب كفريق.”
بعد المباراة الافتتاحية لكأس العالم 2018 بين روسيا والسعودية وخسارة السعودية بخماسية، ظهر تركي آل الشيخ، رئيس هيئة الرياضة السعودية في فيديو وهو غاضب ويذكر أن الاتحاد الرياضي قدم كل شيء للاعبين، وتحمل نفقات اللاعبين لثلاث سنوات، وقدم لهم أفضل الأجهزة، وكادراً تدريبياً ممتازاً، لكنهم في النهاية لم يقدموا -حسب رأيه- 5% من المستوى المطلوب منهم.
ذلك الأمر كان مشابهاً تماماً لما حصل للمنتخب في مونديال 2002، حين تعرضت السعودية للهزيمة بثمانية أهداف، وكانت هناك انتقادات من الصحافة السعودية بأن المملكة تصرف المليارات من أجل المنتخب، لكنهم في النهاية جعلوا اسم المنتخب محطاً للسخرية من قبل العالم.
تحدث ياسر المشعل، رئيس الأتحاد الآسيوي، بأنه يجب على السعودية أن تكون أفضل، لأن لها تراث مميز في كرة القدم الآسيوية، ولأن الدوري أصبح ممتازاً، ولأنهم يصرفون مبالغ طائلة ولا يريدون فقط الوصول الى كأس العالم، إنما يريدون تجاوز دور المجموعات.
الدوري السعودي وتطوره في السنوات الأخيرة هو نقطة يجب الحديث عنها، فبعضهم يحاول انتقاد الدوري السعودي وانتقاد جودة اللاعب السعودي في الدوري، والفكرة بأن اللاعب السعودي يحصل على أموال كبيرة تجبره على البقاء في السعودية، رينارد قال ساخراً إن هناك لاعبين يحصلون على رواتب تجعلهم يلعبون في السيتي!
فالأن حصلنا على البداية، بداية كل شيء، وبداية كل شيء هي لحظة التعاقد مع رينارد.
ماحصل ضد الأرجنتين كان عبارة عن خليط من العاطفة والالتزام الذي تحدث عنه رينارد، التزام كانت تبحث عنه السعودية دائماً.
ماحدث هو عبارة عن رحلة امتدت عشرين عاماً، مابين الهزيمة بثمانية أهداف أمام ألمانيا في مونديال كوريا واليابان، ومابين الفوز على الأرجنتين بقيادة ميسي. لكن يجب علينا أن نتذكر أن لا شيء حدث، نعم، فازت السعودية، لكنها بحاجة الى فوز آخر، أو تعادل على الأقل لتضمن تأهلها الى دور الستة عشر، لأن ماحدث هو مجرد تسعين دقيقة مجيدة والسعودية في حاجة الى بطولة مجيدة.
السعودية حققت الخطوة الصحيحة الأولى في صنع منتخب منافس، الخطوة الثانية كانت جلب مدرب يصنع المستحيل دائماً ومازال وفياً لمهنته، الخطوة الثالثة هي جعل العالم يتكلم عنهم وهو ماقام به رينارد ضد الأرجنتين، لكن الخطوة الرابعة هي الأهم، خطوة التأهل دور الستة عشر.
يجب على رينارد أن يبقى على أرض الواقع وأن يعيد لاعبيه الى أرض الواقع، وأن يبقى التواضع هو الأساس.
ويمكن القول إنن التواضع هو شيء لا يمكن أبداً أن ينكره رينارد، رينارد حين كان شاباً كان يعمل في مجال التنظيف، وتحديداً تنظيف المنازل، وقبل فترة طلب من رئيس عمله السابق الذي كان يعمل لصالحه أن يعود الى العمل ليوم واحد فقط، وفعلاً رحل الى كان في فرنسا وعمل ليوم واحد في مجال التنظيف، يوم واحد ليعيد له المكان الذي بدأ منه ويبقيه على أرض الواقع.
كرة القدم درس لنا جميعاً ، كرة القدم جبل صعب جداً صعوده، والأصعب هو البقاء عالياً بعد صعوده.