المخاض العسير

123

إياد عطية /

رسم البرلمان سيناريو مثيراً لمسار الجلسة الأولى بخلاف كل التوقعات، بعد أن صوت في جلسة عاصفة لتجديد ولاية رئيس البرلمان السابق، محمد الحلبوسي، واختيار حاكم الزاملي من الكتلة الصدرية لمنصب النائب الأول للرئيس فيما حصل شاخوان عبد الله، من الحزب الديمقراطي الكردستاني، على منصب النائب الثاني لرئيس البرلمان، في صفقة واحدة أبرمها الحلفاء الثلاثة.
وبعد فوزه، دعا رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي الى فتح باب الترشيح لاختيار رئيس الجمهورية خلال خمسة عشر يوماً بحسب التوقيتات الدستورية.
وقد رفض”الإطار التنسيقي” الإقرار بمخرجات الجلسة وقدم طعنا الى المحكمة الدستورية يفيد بأن رئيس السن محمود المشهداني طلب وقتاً للمداولة ولم يكلف غيره بإدارتها، قبيل نقله الى المستشفى.
وتضاربت الأنباء حول سبب نقل المشهداني الى المستشفى وفيما اذا كان قد تعرض لوعكة صحية أو للضرب، بعد أن أعلن أن الإطار التنسيقي قدم الكتلة الكبرى، وأحالها الى التدقيق، وهو أمر رفضه الصدريون الذين حققوا الفوز بفارق كبير عن أقرب منافسيهم في الانتخابات النيابية. ومنح الدستور العراقي لسنة 2005 أحقية تشكيل الحكومة للكتلة النيابية الأكثر عدداً، وفقاً للمادة 76 منه على الآتي: “يُكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال 15 يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية”، لكن الجدل ظل قائماً بشأن مفهوم “الكتلة النيابية الأكثر عددا”، هل المقصود منها الفائزة في الانتخابات أم التي تتشكل داخل قبل البرلمان من تحالفين أو أكثر بعد إعلان النتائج؟
ويعتقد أن التفسير الذي قدمته المحكمة الاتحادية العليا لمفهوم الكتلة الكبرى بقرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) يوم 25 آذار 2010 الذي جاء كما يلي “إنّ تعبير الكتلة النيابية الأكثر عدداً يعني: إمّا الكتلة التي تكونت بعد الانتخابات من خلال قائمة انتخابية واحدة، او التي تشكلت بعدما دخلت الانتخابات باسم ورقم معينين وحازت على العدد الأكثر من المقاعد.” وقد عد هذا التفسير بحسب فقهاء وسياسيين شاركوا بكتابة الدستور تفسيراً سياسياً وليس قانونياً.
ومع هذا فإن الأعراف والتقاليد السياسية هي التي تضبط إيقاع العملية السياسية، التي تشكلت بموجبها جميع الحكومات العراقية ما بعد العام 2003.
تنسيق ثلاثي
وقبل انعقاد الجلسة، خاض “الإطار التنسيقي” حوارات اللحظة الأخيرة لتقريب وجهات النظر مع الكتلة الصدرية من دون أن تسفر عن نتيجة، اذ بدا واضحا أن هناك تنسيقاً بين الكتل الثلاث للسيطرة على تمرير القرارات داخل مجلس النواب.
وحتى قبل ساعات من انعقاد الجلسة، سعى الإطار جاهداً الى تأجيل انعقادها لكسب مزيد من الوقت يسمح بتكثيف المشاورات مع الكتلة الصدرية، لكن على وفق معطيات الجلسة التي أعادت الحلبوسي الى رئاسة البرلمان بدعم من الكورد والصدريين، فإن الجلسة تشي بتبلور قناعات كوردية سنية للذهاب مع الصدريين لتشكيل الحكومة المرتقبة.
وعززت تصريحات واضحة لمستشار رئيس الاقليم حيدر مسعود هذه الرؤية عندما أكد في تصريح متلفز تعليقاً على انتخاب رئيس البرلمان ونائبيه: “تم اليوم وضع حد فاصل بين طرف يريد السيادة للعراق وطرف لا يريد أن تكون السيادة عراقية” في إشارة الى طرفي الخلاف الشيعي.
كما كشف النائب المثير للجدل مشعان الجبوري، عن وجود اتفاق مسبق بين الأطراف الثلاثة للمضي بتشكيل الحكومة، مؤكداً أن السُنة لن يتحالفوا مع “الإطار التنسيقي” وإذا شكل الأخير الحكومة فلن يكونوا جزءاً منها.
تعزيز الإرادة الصدرية
وسيتضح ما إذا كان إعلان “الإطار التنسيقي” عن كونه الكتلة الكبرى سيؤثر على التحالف السُني الكوردي الصدري، الذي أعلن أنه سيمضي قدماً بتشكيل الحكومة، وسط اتهامات من”الإطار التنسيقي” بأن الكورد والسُنة قد أسهما بانشقاق الشيعة، وهو اتهام صدر على لسان عضوة البرلمان عن دولة القانون عالية نصيف.
وعلى أية حال، فإن نتائج الجلسة الأولى ستدعم الإرادة الصدرية وتعزز موقفها في أي حوار محتمل حول الكتلة الكبرى، ومن الواضح أن الصدريين لا يريدون إقصاء مكونات “الإطار التنسيقي” من المشاركة في الحكومة والحصول على استحقاقهم من الوزارات، لكنهم لا يريدون شريكاً في عملية تشكيل الحكومة وتسمية رئيسها، وهذا ما يرفضه “الإطار التنسيقي” الذي خسر الجولة الأولى من المواجهة مع الصدريين تحت قبة البرلمان، مالم تقرر المحكمة الدستورية أمراً آخر، بشأن مشروعية الجلسة واعتماد الاسماء التي قدمها الإطار إلى المشهداني على أنها الكتلة الكبرى.
وحتى في حال إقرار أن “الإطار التنسيقي” هو الكتلة الكبرى، فإن بقاء التحالف الثلاثي الذي قدم نفسه بوضوح موحداً، لن يمكن الإطار التنسيقي من تشكيل حكومة، لكن حصوله على الكتلة الكبرى سيعقد المشهد ويعيق ولادة حكومة على مقاسات صدرية، او ربما يساعده على إقناع الصدريين بتمرير حكومة توافقية يلعب فيها الصدريون دوراً محورياً.
مسالك الانسداد
ولا يعرف إن كانت نتائج الجلسة والإصرار الصدري على تشكيل حكومة أغلبية، سيمكن الصدريين بالفعل من تفكيك قوى الإطار وسحب عدد منها إليهم لإشراكهم في الحكومة، وهو الأمر الذي يراهن عليه الصدريون بإبقاء تحالفهم مع زعيم بدر هادي العامري قائماً، كما أنهم يعتقدون أن إمكانية ضم تيار الحكمة لن تكون عسيرة الى حكومتهم المرتقبة.
وعلى أية حال، فإن الحكومات العراقية لن تولد بطبخات سريعة، وما حدث في افتتاح جلسة البرلمان العراقي إنما يمثل خطوة يعتقد الصدريون وحلفاؤهم أنها مهمة وضرورية لفتح مسالك الانسداد السياسي، لكن من دون شك ستدفع جميع اللاعبين للرمي بثقلهم بعد أن وضعتهم مخرجات الجلسة الافتتاحية على محك الاختبار.
وفي حال ما إذا فشل الصدريون بتفكيك “الإطار التنسيقي”، فثمة خياران لا سواهما أمامهم، فإما المضي مع حلفائهم السُنة والكورد في تشكيل حكومة الأغلبية، او الانخراط مع “الإطار التنسيقي” بحوار يضمن حضوراً صدرياً واسعاً في الحكومة مقابل مشاركة “الإطار” باختيار رئيس الحكومة، وهو أمر تصر عليه دولة القانون وحلفاؤها.
الديمقراطي والاتحاد الوطني
في كل الأحوال ستلقي إفرازات جلسة البرلمان بتأثيرها على أية مفاوضات جديدة يتوقع حصولها بين الثنائي الشيعي، لكنها لن تكفي للاقتناع بأن الأمور قد حسمت وأن الصدريين لن يلتفتوا الى الوراء ويتركون “قوى شيعية” كانت حليفة لهم خلفها، فثمة أسئلة كثيرة ستطرح عن أسباب حضور السُنة موحدين واستئناف الكورد لمفاوضتهم للوصول الى قناعات مشتركة، قد تعيد التجديد للرئيس المنهية ولايته برهم صالح أسوة بالحلبوسي، وتنهي ما يتردد بشأن الخلاف المتجدد بشأن منصب رئيس الجمهورية.
وفي الواقع فإن الكورد لم يحسموا أمرهم، ويبدو أنهم يعيشون ذات الأزمة في إقناع بعضهم الآخر برؤيته، فالاتحاد الوطني متمسك بالأعراف السياسية التقليدية السائدة منذ أول انتخابات تشريعية التي تؤهل مرشحه لرئاسة الجمهورية، وقد اتضح هذا الخلاف عندما خرج أعضاء البرلمان عن الاتحاد الوطني من الجلسة اثناء التصويت لمرشح الديمقراطي لتولي منصب النائب الثاني لرئاسة البرلمان.
وبالطبع فإن لا أحد، بمن فيهم الصدريون، يضمن عدم انتقال الاشتباك السياسي بين الصدريين وخصومهم من مجلس النواب الى ساحات أخرى، وهو أمر ليس مستبعداً في وضع سياسي وأمني هش كالوضع العراقي.
وعلى أية حال، فإن كل الأمور متوقعة، وقد يمضي التيار الصدري برؤيته في رسم معالم الحكومة التي يريد تشكيلها، مؤمناً بقدرته على تحمل المسؤولية في إحداث تغيير إيجابي في حياة الناس والبلاد، بدعم الشركاء المحليين والدوليين.
وفي حال مضى الصدريون بمشروعهم، فإن العملية السياسية تكون قد مرت بواحدة من أهم المنعطفات التاريخية التي تمكنها من كسر الجمود الذي طبعها، لكن ليس بوسع أحد أن يدرك حجم التحديات التي تواجه حكومة من هذا النوع ظل الجميع ينادي بها، وحين لاحت في الأفق فرصة لإظهارها الى الواقع، وقد اتضح حجم الصعوبات والمخاوف الشعبية والرسمية، بل والدولية، من تداعيتها، وانتقال الخلاف من البرلمان الى الشارع المتأزم.
وعلى اية حال فإنه من المبكر الحديث عن ولادة حكومة في العراق في ظل أزمة سياسية لا يمكن تجاهلها، وأن اللعبة السياسية لم تنته، لكن التحالف الثلاثي الذي تشكل وأنتج رئيس البرلمان ونائبيه قد وضع حدوداً لا يمكن تجاوزها بسهولة، في أية مفاوضات لتشكيل الحكومة المرتقبة، وإذا كان النقاش يدور بين الأطراف المعنية بسيناريو واحد، فالحوارات والتوقعات تتحدث عن أكثر من سيناريو لولادة الحكومة، لكن هذه الولادة لن تكون يسيرة، بل ربما أكثر عسراً من سابقاتها.