بغداد تختنق!

351

إياد الخالدي – تصوير: حسين طالب /

حلّت بغداد ضمن أسوأ المدن بيئياً، إذ احتلت المرتبة العاشرة من بين المدن الأكثر تلوثاً في العالم، وفقاً لمقياس جودة الهواء في العالم. وبذلك تكون قد عبرت ما يسمى بخط الأمان في مستوى التلوث ليغدو مؤثراً في حياة الناس وصحتهم، إذ تزداد الأمراض المرتبطة بأنواع الملوثات الكيمائية والحرارية وغير المادية.
ولا تحظى البيئة بأدنى اهتمام على الرغم من تحذيرات منظمة الصحة العالمية من وجود نحو 7 ملايين حالة وفاة مبكرة سنوياً مرتبطة بتلوث الهواء على مستوى العالم، معظمها بسبب أمراض القلب والسكتات الدماغية وسرطان الرئة والتهابات الجهاز التنفسي الحادة عند الأطفال.
وعلى الرغم من التأثيرات الواضحة التي يتسبب بها التلوث في مدينة يسكنها نحو ثمانية ملايين إنسان، إلا أن المسؤولين يتجاهلون تلك المخاطر المحدقة بحياة الناس، بل يمعنون في مضاعفتها، إذ تتسبب زيادة أعداد السيارات بارتفاع نسبة أول أوكسيد الكاربون الناجم عن عوادمها. وبينما تعمل الحكومات على زراعة النباتات والأشجار للتخفيف من التلوث، فإن عمليات تجريف واسعة ومستمرة للمناطق الخضراء تتواصل داخل بغداد وحولها، ما يتسبب بخنق العاصمة.
وشخّص المراقبون غياب أية خطة لمعالجة الأوضاع الخطيرة للبيئة في بغداد ومدن العراق الأخرى، إذ تغيب البيئة عن البرامج الانتخابية للمرشحين، كما أنها ظلت غائبة في كل برامج الحكومات السابقة.
البيئة والسياسة
يلفت المهندس في الإدارة البيئية (برهان المفتي) إلى أمر مهم يؤكد انعدام الاهتمام بالبيئة، فكل الحركات والكتل والأحزاب العراقية التي ظهرت بعد 2003 يجمعها قاسم مشترك هو غياب أي اهتمام بالبيئة، فلم نرَ تكتلاً أو حزباً أو تجمعاً يسعى إلى السلطة حاملاً مشروعاً لإصلاح البيئة العراقية بعد عقود من الدمار بسبب الحروب وسوء استخدام الموارد الطبيعية والإهمال الكارثي للبيئة في جوانبها كافة حتى التراث واللهجات والعمارة.
يقول المفتي: بينما يتغير العالم بسرعة من حولنا، تتغير القوانين العالمية التي تلزم الحكومات بالاهتمام بالبيئة، قوانين لها أهداف زمنية محددة على الدول أن تنجزها، وإلا فهي خارجة عن الإجماع العالمي، فقد تواجه عقوبات أممية وعزلة دولية لأن هذه القوانين الملزمة تحدد حتى الطيران التجاري وشحن البضائع وتشغيل الموانئ والاستثمارات واستقدام الشركات، بمعنى أن غياب الاهتمام بالبيئة في العراق له نتائج كارثية على العراق كدولة ضمن المنظومة الدولية، ونتائج كارثية على المجتمع العراقي.
الآن (والحديث ما يزال للمفتي) ونحن على مسافة ستة أشهر من الانتخابات العراقية المبكرة في 2021 نرى أن أسماء جميع الكتل والأحزاب المسجلة هي أسماء تعبر عن توجهاتها (السلطوية) التي ترضي أطماعها، وهي عناوين خداعة لأن المشكلات العراقية بلغت حداً يتعذر معه على أية حكومة أن تجد الحلول اللازمة في دورة برلمانية واحدة.
ويشدد المفتي على أن ظهور أية حركة -الآن- في العراق بأفكار ستراتيجية لإصلاح البيئة وبخطة منهجية للعمل متوافقة مع التغييرات العالمية والخطة العالمية 2030 دون شعارات (سلطوية)، ستكون -كما يقول- هي الحركة الجاذبة لأصوات الذين ما يزالون يؤمنون بـالانتخابات طريقاً للتغيير، لكن تلك الحركة -إن ظهرتْ- عليها أن تكون بإدارة وإرادة علمية مهنية ورؤى مستقبلية منطلقة من معالجة الواقع على مبدأ Quick Win للتحفيز وتقليم أطراف المشكلة الواسعة لمنعها من التمدد ثم التركيز على نواة المشكلة بخطة بعيدة المدى للوصول إلى أهداف ملزمة في إصلاح البيئة العراقية.
فيما يفسر السياسي العراقي الدكتور (سعد المطلبي) أسباب غياب الاهتمام بالبيئة عن البرامج الانتخابية للأحزاب والكتل السياسية العراقية بأن النظام السياسي العراقي ما بعد ٢٠٠٣ بُني على أساس التصارع والتسارع، والسلطة والثروات أبعدتاه عن فكرة بناء الدولة، لهذا لا تبالي هذه المنظومة بمسائل حيوية مثل البيئة، مع أن الاهتمام بالبيئة هو أقصى ما تطمح إليه المجتمعات الحضارية التي تكون قد تخلصت من مشكلات الفقر والخدمات والبطالة والفساد، ووضعت لنفسها خريطة طريق متقدمة، هذه المرحلة لم نصلها بعد على مستوى التفكير المجتمعي أو تفكير المنظومة السياسية التي ماتزال تبحث عن ذاتها وعن قدرتها على التمدد في مفاصل الدولة.
السيارات
من جانبه، يؤكد الدكتور (أحمد عبد الستار العذاري) أن السيارات تشكل إحدى أبرز الملوثات إذ ارتفعت أعدادها في بغداد من ١٩٦٨٥ سيارة في منتصف تسعينيات القرن الماضي إلى مليوني سيارة (وفقاً لآخر إحصاءات مديرية المرور العامة).
وتوصل الدكتور العذاري في دراسة له عن التلوث في بغداد إلى أن عوادم السيارات تتسبب بزيادة نسبة تركيز معدلات المواد الملوثة للهواء، ولاسيما أول أوكسيد الكاربون والنيتروجين، وذلك ما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة.
كما تبين الدراسة أن ارتفاع نسبة أول أوكسيد الكاربون أثّر على نحو بالغ في مناخ بغداد، فقد ارتفع تركيز أول أوكسيد الكاربون من ٥٦٩ درجة عام ١٩٩٦ إلى أكثر من 1500 درجة عام ٢٠١١، وقد ربطت الدراسة بين ارتفاع التلوث وارتفاع درجات الحرارة وانحسار الأمطار بشكل مباشر.
فيما يقول الاقتصادي (خالد العضاض) إن السيارات، على الرغم من الآثار الجسيمة التي تخلفها في البيئة، جراء عوادمها التي تؤثر تأثيراً واضحاً في صحة الانسان، فإنها تحقق للمستوردين أرباحاً هائلة نتيجة لحجم المبيعات العالي في بغداد، وذلك لغياب الضوابط والشروط التي ترافق عمليات استيراد السيارات في البلاد.
وأشار إلى أن الشوارع في بغداد لم تعد تتحمل ملايين السيارات، فهذه الشوارع لم تصمم كي تستوعب هذا العدد، داعياً الجهات المعنية، ولاسيما وزارة الصحة والبيئة ودائرة المرور إلى التعاون لإيجاد حلول لهذه المشكلة الكبيرة التي غدت مصدراً لكل أنواع الملوثات المادية وغير المادية الناجمة عن الضجيج والزحام.
وأعرب عن أمنيته في أن يرى اهتماماً استثنائياً بالبيئة العراقية، لأنها بيتنا الكبير الذي نعيش فيه، وليس من المعقول أن ندمر عالمنا أو بيتنا ولا نجد حلولاً لمشكلاته المتفاقمة.
المحطات الكهربائية
تقول المهندسة في وزارة الصحة والبيئة (رفل عادل) إن محطات الكهرباء، ولاسيما محطة كهرباء الدورة، تشكل مصدراً خطيراً للتلوث، يضاف إليها آلاف المولدات الأهلية التي تتسبب بنشر ثاني أوكسيد الكبريت في سماء بغداد. مبينة أن محطة كهرباء الدورة باتت خارج المعايير البيئية، لأنها صارت ضمن الموقع الجغرافي لبغداد، لافتة إلى أن هذه المحطة التي أنشئت في خمسينيات القرن الفائت كانت خارج حدود بغداد.
وأكدت أن محطات الطاقة الكهربائية والمولدات التي تعمل بالغاز تشكل الخطر الأكبر على البيئة، إذ تنبعث منها تراكيز عالية من ثاني أوكسيد الكبريت تخطت بنسب عالية الحدود المسموح بها عالمياً، كما أن آلاف المولدات الأهلية باتت تشكل خطراً مباشراً على حياة الناس، ولاسيما في المناطق الأكثر اكتظاظاً بالسكان، محذرة من أن مناطق الدورة والزعفرانية هي الأكثر تأثراً بالملوثات التي تنبعث من مصافي الدورة ومحطات توليد الكهرباء، إذ أن هذه المنشآت تنبعث منها نسب عالية من الغازات السامة والضارة حسب تصنيف منظمة الصحة العالمية مقارنة بوقود (الغاز السائل) الذي يعدّ من أنواع الوقود النظيفة نسبياً.
عمليات التجريف
وبينما تتسابق دول العالم في زراعة الشتلات والأشجار بهدف معالجة التلوث نتيجة التجريف الذي تعرضت له الغابات والأشجار والمناطق الخضر في العالم، إذ نجحت كينيا بتحطيم الرقم القياسي المسجل باسم الهند بزراعة ٦٠ مليون شتلة لتزرع ٣٥٠ مليون شتلة في يوم واحد، فإن مناطق واسعة من بغداد تعرضت إلى التجريف بهدف إنشاء مجمعات سكنية عشوائية، كما جرى تحويل المشاتل والساحات الخضر إلى مناطق كونكريتية، وجرى تحويلها إلى مولات ومبانٍ.
يقول المهندس الزراعي (إحسان جاسم) إن العاصمة بغداد خسرت حزامها الأخضر بالكامل، كما أنها تخسر باستمرار البساتين المحاذية لها، وبدلاً من زيادة الرقعة الخضراء داخل العاصمة لمواجهة التلوث وتأثيراته، ولاسيما ارتفاع درجات الحرارة وزيادة تراكيز الغازات الملوِثة، حدث العكس تماماً، فقد جرى تحويل المناطق الخُضر والمشاتل إلى مشاريع كونكريتية، ما أسهم في خنق العاصمة بغداد.
لقد شهدنا في العقدين الفائتين عمليات تجريف لبساتين النخيل وحرق متعمد لها بهدف تغيير جنسها وتقطيعها لتحويلها إلى مناطق سكنية، وقد شاهدنا أن مناطق الكريعات والدورة وحي الزهور والبساتين تختفي من المساحات الخضر لبغداد بعمل لا يمكن وصفه إلا بأنه جريمة، إذ أنه خنق بغداد وحوّلها إلى واحدة من أسوأ المدن غير الصالحة للحياة الصحية، ومن المؤسف أن هذا العمل المتوحش ما زال يتواصل بسبب الجشع والفساد.
ولفت جاسم إلى أن بساتين النخيل كانت أكثر البساتين تضرراً، فبعد خسارة غابات النخيل بفعل الحرب العبثية مع إيران، وعمليات التهريب الواسعة لأجود أنواع النخيل إلى دول الخليج في تسعينيات القرن الفائت، رأينا أن عمليات تجريف البساتين مستمرة، وكانت النخلة المتضرر الأول دائماً، والنتيجة أن العراق خسر كثيراً من أشجاره ومناطقه الخضر، ولاسيما النخيل، ليتحول من أكبر مصدر للتمور في العالم إلى مستورد لها في غضون ثلاثة عقود، إثر تراجع أعداد النخيل من قرابة الأربعين مليون نخلة إلى خمسة عشر مليون نخلة.
زيادة درجات الحرارة
وتؤكد المهندسة (رفل عادل) زيادة تركيز ثاني أوكسيد الكربون، وهو أحد الغازات الدفيئة التي تساعد في الاحتفاظ بالحرارة في الجو، وتقوم الأشجار بامتصاص جزء منه من الهواء في عملية التمثيل الضوئي، وتؤدي عملية تجريف البساتين وقطع الأشجار إلى تقليل مكون الإزالة في هذه الدورة، ما يزيد من نسبة ثاني أكسيد الكربون في الهواء وهذا يؤدي إلى زيادة في درجة الحرارة الأرض.
وأكدت دراسة أجراها فريق من علماء إدارة الغابات بوزارة الزراعة الأميركية أهمية زراعة الأشجار في تحقيق التوازن مع انبعاثات الكربون المتزايدة في الولايات المتحدة، وذلك بزيادة قدرة الغابات على عزل كميات أكبر من تلك الانبعاثات. واستندت الدراسة إلى تحليل البيانات المتاحة من أكثر من 130 ألف منطقة من مناطق الأحراش، التي يتضمنها برنامج حصر وتحليل الغابات التابع لإدارة الغابات.
وذكرت الدراسة التي نشرتها دورية (بروسيدينجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينس) أن الغابات التي تحتوي على عددٍ كافٍ من الأشجار يمكنها أن تساعد في تحقيق زيادة سنوية في كميات الكربون التي يجري عزلها بواسطة الغابات بنسبة عشرين بالمئة.
مخالفة قانونية
وزارة الزراعة، من جهتها، عدّت عمليات تجريف البساتين والأراضي الزراعية وتحويل جنسها إلى تجاري أو سكني مخالفة قانونية، مبينة أن هذه العمليات تجري من دون موافقات رسمية أصولية، وأن الوزارة ليست الجهة المعنية بوقف هذه العمليات غير القانونية. وقالت الوزارة، على لسان مستشارها مهدي ضمد القيسي، إن مسؤولية وزارة الزراعة تقتصر على إبلاغ الجهات التنفيذية بهذه التجاوزات، لمنعها ومحاسبة الضالعين فيها وفقاً للقانون.
وأشار إلى أن هناك لجنة خاصة في الأمانة العامة لمجلس الوزراء معنية بمنح التخويل والموافقات على تحويل جنس الأراضي وإصدار القرار الخاص بشأن تغيير جنسها.
تحديات بيئية
من جهتها، أقرت وزارة الصحة والبيئة بأن هناك تحديات كبيرة تواجه الواقع الصحي والبيئي، مبينة أن خطر التلوث البيئي الذي يشتمل على تلوث الهواء الناتج عن الصناعة النفطية والتلوث الناتج عن الأنشطة الحكومية المصاحبة يمثلان أكثر من 98 % من مجمل أحمال التلوث.
وقال وكيل وزارة الصحة والبيئة الدكتور (جاسم الفلاحي) إن تلوث المياه يمثل أحد التحديات البيئية، وهناك نحو خمسة ملايين متر مكعب من مياه الصرف الصحي، فضلاً عن تصريف المنشآت الخاصة بتوليد الطاقة الكهربائية والمصافي ومعامل بعض شركات وزارة الصناعة وكلها تؤثر في البيئة.
ولفت الفلاحي إلى أن هناك تحديات أخرى للواقع البيئي منها التغيرات البيئية والمناخية وتزايد ظاهرة التصحر المسببة للعواصف الغبارية، فضلاً عن التلوث الإشعاعي، وهو ناتج عن البرنامج النووي السابق للعراق، وهناك مناطق استهدفت باليورانيوم المنضّب.
وأشار وكيل وزارة الصحة إلى أن هناك فجوة ونقصاً كبيراً في البنى التحتية في القطاعين الصحي والبيئي، وهذا جاء بعد عقود من عدم الاستقرار الأمني والسياسي وعقود من الحروب والمشكلات.