آدم حاتم .. أطلقَ خيوله البرّية وغادر بصمت!

904

جبار عودة الخطاط/

بهذه الكلمات الحزينة اختتم الكبير مظفر النواب قصيدته المؤثرة عن حادثة مقتل الشاعر العراقي آدم حاتم في صيدا اللبنانية بتأريخ 27 كانون الأول عام 1993 والذي مرت ذكرى وفاته قبل أيام لتطوى حياة مترعة بالأسئلة الكبيرة إزاء الكون والواقع العراقي المر، “سيدتي…

صار لنا أكثر من مقبرة في الغربة

والسلطة من أفضال الله علينا باقية

والحزن جميل”

حياة ضاق بتطلعاتها البسيطة وطن امتد على مساحة وجع مستديم فلم يكن أمامه سوى القبض على جمرة الشعر ونسغه المتصاعد في الهامش الحياتي الذي وجد في الصعلكة بديلاً وجودياً معادلاً للألم والغربة، الغربة التي كابدها آدم داخل العراق، الوطن يصبح منفى وشوارعه شرايين اغتراب، غربة مرة هرب منها ليجد نفسه في غربة حقيقية حيث المنافي الباردة التي فشل في أن يجد في ساحتها متسع دفء لروحة المطعونة بزمهرير غريب.

هاجس الهجرة المبكر

آدم حاتم، أو سعدون حاتم السراج وليس الدراجي كما ورد في الكثير ممن أرّخَ لحياة آدم، تربطني به صلة قرابة فهو ابن عمي، ولد في العمارة عام 1957 وانتقل مع عائلته الى بغداد في ستينات القرن المنصرم وعاش ردحاً من شبابه في عائلة متوسطة الحال على رأسها أب منفتح يملك فكراً ليبرالياً فطرياً. لكن آدم ضاق ذرعاً بنمطية تلك الحياة فسافر الى البصرة التي تعيّن فيها بدائرة التسجيل العقاري بداية السبعينات وكان شاباً يافعاً. وهناك التقى بثلّة من الناشطين اليساريين الذين تأثر بهم وتماهى معهم. وكان يبث لواعجه وشجونه في قصيدة النثر التي عشقها ووجد فيها وعاءً جمالياً سكب فيه رحيق لواعجه المبكرة، ما لبث أن عاد إلى بغداد في نهاية عام 1975 بعد اشتداد وطأة الرقابة الأمنية عليه وعلى أترابه الشباب اليساري في البصرة.

نبوءة الشاعر والعسكرتاريا

.. ورغم أنه غادر العراق بأكثر من عقد من الزمن قبل أن تندلع الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات عجاف وأكلت بنيرانها خيرة شباب العراق وبعضهم أصدقاء آدم، إلا أنه وبفعل ما كان يستشعره من عسكرتاريا في الشارع العراقي وحس أمني صارم للسلطة شعر بطوق الغربة يشتد على رقبته أكثر فكتب في احدى نصوصه:

“أنظر الى الماضي كطفل

يتفرس في صورة أبيه

الذي قتل في الحرب”

تماهٍ مع الحصيري

عرف آدم بفوضويته التي كانت تحيلنا على سبيل الشبه حياتياً لعبد الأمير الحصيري، الشاعر الصعلوك (شاعر الحانات)، الحانة التي وجد فيها الحصيري وكذا آدم ملاذاً خارج سياقات الحياة العقيمة فكتبا منها قصائدهما الناقمة، حتى أن آدم غادر العراق بعد وفاة الحصيري وكأنه فقد الأسوة التي كان يستلهم منها سر بقائه قبل أن يسلم نفسه لدهاليز التشرد في المنفى، يقول الحصيري في ديوانه “أنا الشريد”:

أنا شريد فما للناس تذعر من

وجهي وتهربُ من أقدامي الطرقُ

وهكذا عاش آدم حياته متشرداً منذ خروجه من العراق، تنقل بين باريس، تونس، دمشق وبيروت وكان لا يملك ثمن تذكرة السفر في كل أسفاره وكثيراً ما جمع له أصدقاؤه ما يكفل له سفره الدائم!

آدم والمرأة والرصيف

ومما ينقله الشاعر محمد مظلوم أن امرأه دمشقية أحبته على أن يتزوجها، وكانت تملك قصراً كبيراً ، وقد أسكنته معها في جناح خاص من البيت، ولا نحبّذ ذكر اسمها هنا، لكنه كان يتذكرها فقط حين يطالبه النادل مساءً بتسديد الحساب، فتحضر لفعل ذلك بعد أن تأخذ فنجان قهوة، وحين سألته: لمَ لا تتزوجها، أجاب: أنا لا أمُثل طموح ضفدعة، فكيف بامرأةٍ مثلها؟

أصدر آدم مجلة (رصيف) إلى جانب رسمي أبو علي والشاعر الراحل علي فودة والشاعر وليد جمعة وآخرين بعد إقامته في دمشق وعمله في المجلات الفلسطينية، وكان انتقاله إلى لبنان أواخر حياته هو المحطة المؤلمة التي ذهبت بأحلامه الملغومة وأسئلته المشاكسة أدراج رياح أراقت دمه في ظروف معقده لتتوقف رحلته الموجعة في 17/12/1993 إثر حادث اختلف الرواة في حقيقته. فقد غاب عنه الوعي لأربعة أيام إثر ضربة من مجهول على رأسه أرقدته في مستشفى (الهمشري)، حيث توفي ودفن في مقبرة السيم في مدينة صيدا ويبدو أنه تنبأ بموته مقتولاً في إحدى قصائده:

“ما أكثر ما رأيت في الحياة

لذا وضعت بوصلة الضياع ورحلت

وإن كان علي

إن أحيا مجبراً

ستجدني ذات يوم قتيلاً في الوديان البعيدة”

خيوله البرّية والإسطبل

آدم حاتم رغم شعريته التي وصفها الشاعر والباحث محمد مظلوم “بالشعرية الناضجة التي امتلكت أدوات ابداعها” لم يكن بالشاعر الذي يبحث عن أماسٍ ومهرجانات وجوائز كما يفعل الشعراء، ولم ينشد قصائده الاّ مراتٍ معدودة أمام الجمهور، كما أنه لم يفكر في جمعها في ديوان مطبوع، وكان في كل مرة يسأل فيها عن أسباب عزوفه عن جمع أشعاره في ديوان يقول: “قصائدي خيول برية ترفض وضعها في إسطبل” ورغم أن إجابته، كما يبدو، غارقة في السخرية والطوباوية، إلا أنه أطلق خيوله البرية ليحرك الساكن في دواخل من عرفوه باتجاه غد أجمل كما يعتقد، وقد جمع أصدقاؤه بعد وفاته قصائده في مجموعته اليتيمة (لا أحد) عن دار كراس في بيروت.