آزادوهي صاموئيل:ليلة حاصرتني الكلاب تحت المطر

555

عبد الجبار خلف/

حين سألت الفنانة القديرة، صاحبة لقب (راهبة المسرح) آزادوهي صومائيل، عن يوم من أيام عمرها لا يمكن أن تنساه أبداً؟ سرعان ما أغمضت عينيها، وبعد لحظات راحت تتأمل الأفق البعيد، ثم غطت وجهها سحابة داكنة أحسست أنها ملبدة بحزن سيمطر بعد قليل، لكنها قالت: سأحكي لك تفاصيل موقف جرى لي في يوم لن أنساه ما حييت.

وبدأت تحكي لي: هو يوم شتائي من أيام شهر كانون الثاني عام 1989، لقد كنت في تلك الأيام مشغولة جداً، كنت أدرّس في الصباح درس الثقافة الأجنبية ومن ثم أذهب لأمثل في مسرحية للأطفال عنوانها (مملكة النحل) في مسرح الرشيد في الساعة العاشرة وعشر دقائق صباحاً وتنتهي المسرحية في الساعة الواحدة ظهراً، فأذهب لأتمرن مع المخرج الكبير الراحل قاسم محمد رحمه الله في عمل لمناسبة عيد الفن في المسرح الوطني ثم لأعود ثانية إلى مسرح الرشيد لأتمرن على مسرحية (جسر أرتا) إخراج بدري حسون فريد وتمثيل ابتسام فريد وسامي عبد الحميد.

تضيف الفنانة الكبيرة: في ذلك اليوم الكانوني البارد، خرجت من مسرح الرشيد في حدود الساعة الثامنة مساء، كان الظلام دامساً والمطر شديداً، وأنا خارج بناية المسرح؛ كنت لا أدري كيف سأصل إلى البيت، لم يكن في المكان سوى كلاب أسمع نباحها قريباً، في تلك الأجواء السيئة، نظرت وأنا أرتجف من الخوف، وتساءلت مع نفسي: ماذا سأفعل؟ لم تكن هناك سيارة نقل، وحتى إن طلبت أن يوصلني أحد، فعليّ أن أنتظر أحد السواق العاملين في الدائرة، ثم لابدّ أولاً أن يرضى أن يوصلني، ولا بدّ للمدير أن يوقع على ورقة الخروج، وقد وجدت أن كرامتي لا تسمح لي أن أتوسل من أجل سيارة.

وتابعت: كان لابدّ أن أستأجر (تاكسي) ولكن أين هي السيارة في هذا الجو الممطر والبرد القارس، انتظرت أن تمر سيارة ولكنها لم تمرّ، تقدمت خطوات، سمعت نباح كلاب وكأنها تقترب مني، توقفت وأنا أرتعد خوفاً، تألمتُ كثيراً على ما أنا فيه من وضع، قلتُ في نفسي: هل أستحق كلّ هذا الأذى؟ بعد كل هذا الجهد الذي أبذله طوال اليوم تكون نهايته هكذا؟ هل أستحق أن أتعذب كلّ هذا العذاب؟

عدت أدراجي إلى الخلف وأنا أقول: من يفكر بإيصالي إلى البيت وقد تجاوزت الساعة التاسعة مساء في هذا الجو الشتائي؟ عدتُ وأنا أبكي بصمت، وبالمصادفة خرج أحد الممثلين وشعر بي أبكي فذهب وأخبر الفنان قاسم الملاك الذي جاءني وسألني: ما بكِ؟ فقلتُ: تألمتُ على حالي، فأخذني الى مكان السوّاق وهناك انتظرت ساعة إلى أن جاءت السيارة ونقلتني إلى البيت.
وأغمضتْ الكبيرة آزادوهي عينيها للحظات كأنها تمنع قطرات الدمع أن تتسرب خارجاً، لكنها قالت: ذلك اليوم لن أنساه ما حييت!