أحمد البياتي: خلد المرأة السومرية بتمثال لا يزال رمزاً لمحافظة ميسان

331

جبار عبد الله الجويبراوي/

عرفته عام 1963م عندما انتظمنا في الصف الأول في دار المعلمين الابتدائية في مدينة العمارة، فأعجبت برسوماته وألوانه الزاهية وقامت بيننا علاقة مودة وأخوة متينة واسهمنا معا في الإذاعة المدرسية، وصرنا لم نفترق حتى بعد الدوام الرسمي حيث كنت أستقل دراجتي الهوائية وأذهب إلى بيته الجميل في (عواشة) فيبدأ بالرسم أو في زرع الزهور في حديقة البيت الغَنّاء وتلطيف أشجار النخيل الباسقة.. ثلاث سنوات مرت علينا كأنها حلم في ليلة صيف..

تخرجنا في دار المعلمين عام 1965/1966م عينت في أعماق هور الحويزة وعين هو في المدرسة العدنانية ـ إحدى مدارس أهوار الكحلاء ـ وقد استغل أوقات فراغه في تلك المدرسة ليمارس نشاطه الفني وسط أجواء الطبيعة الخلابة حيث المناظر الجميلة لبيوت سكان الأهوار والزوارق التي تشق عباب المياه المنسابة بهدوء.

شارك أحمد البياتي في أول دورة تدريبية في مركز الأشغال اليدوية في البصرة وكان الأول على المتدربين لما يمتلكه من خبرة وفن، وتدريب على يد أخيه الفنان التشكيلي الكبير عبد الرحيم البياتي الذي كان مدرسا في المتوسطة المركزية في ميسان منذ عام 1959.

مرسم وفرن

استغل البياتي الأرض التي تركها والده خلف الدار لعمل مرسم كبير وتصميم ” فرن” من الطابوق والطين العادي، وهذا الفرن كان الوحيد في مدينتي العمارة والبصرة كما أخبرني حينذاك رحمه الله. وبنى فرنا آخر في مركز التدريب الحرفي ” إعدادية صناعة ميسان فيما بعد ” من الطابوق الناري أكبر من السابق وأحسن منه

والفضل يعود إليه في عمل الأفران لشوي المنحوتات والأعمال الطينية، خاصة في مراكز الشباب التي اشرف فيها على تدريب عدد كبير من الفنانين الصغار الذين التحقوا في الدورات الصيفية، وصاروا معلمين في مدارس المحافظة ـ فيما بعد ـ

كان من أهم الأعمال الأدبية والفنية التي عملناها معا قيامنا بجولة إلى التلول الأثرية في ناحيتي الكحلاء والمشرح في محافظة ميسان وعثرنا يوم ذاك على أوان وكسرات فخارية وشفقات جرار مزججة يعتقد أنها تمتد إلى عصور مختلفة من تاريخ العراق القديم.

صنع أحمد نماذج مثلها وفخرها في فرنه وكانت آية في الجمال والدقة. ( صناعة الفخار في ميسان قديما وحديثا / مجلة التراث الشعبي / العدد الأول / 1977)

رحلة الى فرنسا

في مطلع عام 1978 قرر البياتي تعلم اللغتين الانكليزية والفرنسية معا وقطع شوطا كبيرا فيهما. وعندما أصبح مهيئا لذلك سافر إلى فرنسا عام 1979 بعد أن قدم استقالته من الوظيفة، والحق أقول كان أحمد جوالا نشطا، طاف أوروبا وشمال أفريقيا واستقر فترة ليست بالقصيرة في ايطاليا حيث مولد الفنون والنحت في العالم، إذ حصل على شهادة الدبلوم العالي في الترميم الفني من فلورنسا، وشهادة الماجستير في التقنية الحديثة للمرمر والبرونز والحجر، وتخصصٍ عالٍ بدرجة امتياز من مدينة (كرارا) بإيطاليا.

وجه أمه

بعد أن ودع في متحف الفن الحديث في مدينة (ميلانو) تمثالا من (3ـ4) أطنان من مادة الرخام الأبيض وأنجز مجموعة من المنحوتات المرمرية والبرونزية والحجرية، عاد في عام 1986م إلى وطنه العراق وانشغل في هذا العام بانجاز عدة موديلات لشخصيات عمارية عرضها على المسؤولين يوم ذاك فوافقوا على تمثال الماجدة وهي امرأة سومرية اختار أحمد وجه أمه ليكون وجه الماجدة وأمه كانت معلمة من الجيل الأول في مدينة العمارة ووجه أحمد لا يختلف عن وجه أمه فكان يستعمل المرآة في تعيين ملامح الوجه لذلك بدأ بانجاز تمثاله الرائع الذي نُفذ بطريقة فنية مبتكرة باستخدام (البليت) سمك (18) ملم وطوله (23) مترا مع القاعدة التي تمثل متحفا صغيرا وبشكل مضلع من الخارج، نفذ بطريقة اللحام البارد من حديد الزاوية وصفائح (البليت).

لا علاقة لماجدة ميسان بـ (تسواهن) التي لا تختلف حكايتها عن حكاية منكاش الوهمية الذي ادعى الإعلام الصدامي أنه أسقط طائرة أمريكية.

أحمد فنان رقيق المشاعر هادئ الطبع كان يعتني بتربية الزهور وقد حمل الكثير منها من أوروبا وزرعها في حديقة بيته وجَمَّلَ مرسمه بأصص صغيرة، أنه يمقت الحرب وقد وضع حمامة السلام في يد الماجدة اليسرى. .

مأزق في ليبيا

غادر الوطن ثانية واشتغل تدريسيا في إحدى الجامعات الليبية وأثناء الحوادث التي مرت بها ليبيا لم يستطع الخروج منها بسرعة فحوصر وسرقت كل مبالغه وأدواته الفنية ولم ينج إلا بنفسه ووصل مدينة العمارة عام 2012 وهو في حالة لا يحسد عليها فوجد بيته مباعا منذ عدة سنوات ولم يجد مكانا يأوي إليه وحاول الحصول على راتب تقاعدي لاثنتي عشرة سنة أمضاها معلما في مدارس أهوار العمارة فلم يفلح. مرض مرضا شديدا نقل على أثر ذلك إلى بغداد وهناك فارق الحياة رحمه الله..

مات أحمد وظلت الماجدة رمزا لمحافظة ميسان الجنوبية بالرغم من محاصرة المسؤولين لها عندما حاولوا حجبها بأبنية عملاقة لا فائدة منها..