أربعة أشهر وثلاثة أسابيع ويومان.. الوقت يدمر أي شيء!

65

محمود الغيطاني /

“الوقت يدمر أي شيء، وكل شيء” إنها الجملة التي لا بد لها من أن تدور في ذهن المُشاهد للفيلم الروماني أربعة أشهر وثلاثة أسابيع ويومان، حسب العنوان الأصلي للفيلم في اللغة الرومانية للمُخرج والسيناريست الروماني كريستيان مونجيو، إذ يعمل المُخرج للوقت حسابا مُهما في فيلمه؛ ومن ثم تدور أحداث الفيلم اعتمادا على مرور الوقت وأهميته في تحديد مصائر الجميع، بل والتحكم فيها.
مؤثرات طبيعية
نلاحظ هنا أننا أمام فيلم يعتمد اعتمادا مُباشرا على الإضاءة الطبيعية، مُبتعدا في ذلك عن إضاءة الاستوديوهات، ويتجنب المُوسيقى التصويرية بشكل كامل، حتى أن الفيلم لا يوجد فيه أي لحن من المُمكن أن يعبر عن مشاعر أبطاله وحالاتهم النفسية، مُستعيضا عنها بالمؤثرات الطبيعية والأصوات الواقعية والحوارات فقط، كما يعتمد في التصوير على اللقطات الطويلة الثابتة المُتأملة لما يدور حوله؛ كي تعطي المُشاهد الفرصة للتأمل بمهل في عناصر الصورة وما يوجد فيها، مُستعينا في ذلك بكاميرا واحدة محمولة في بعض الأحيان، وثابتة لا تتحرك في الكثير من المشاهد مهما كانت طويلة. إذاً، فنحن هنا أمام مُخرج يكاد أن يقترب من قواعد جماعة (الدوجما) السينمائية في أسلوبيته وإن لم يتطابق معهم تماما؛ الأمر الذي يجعله يمتلك أسلوبيته السينمائية التي تخصه وحده، ويختلف بها عن غيره.
حقبة تشاوشيسكو
يحرص المُخرج على أن يبدأ فيلمه مُحددا إطاره الزمني بكتابته على الشاشة: رومانيا 1987م، أي أننا في نهايات حُكم تشاوشيسكو الحديدي والفاشي الديكتاتوري لرومانيا، ولعل تحديد الإطار الزمني كان من الأهمية بمكان، ما يجعلنا كمُشاهدين مُهيَّئين للأحداث وما يشوبها من قهر وخوف، ومُراقبة على كل المستويات- سواء منها الاجتماعية أو السياسية، أو حتى التربوية- رغم أن المُخرج لم يتعرض لأية أحداث سياسية في فيلمه، أو يتعرض لها من قريب أو بعيد، لكنها كانت تطل برأسها ثقيلة على صدور الجميع الشاعرين بالخوف والقلق الدائم من كل شيء.
يتناول الفيلم مسألتي الإجهاض والصداقة، ولعل مسألة الإجهاض- بالنسبة لمن لا يعرفها في رومانيا في هذه الفترة- من المسائل الخطيرة التي يتم التعامل معها باعتبارها جريمة من الجرائم الكبرى؛ حيث سن تشاوشيسكو عام 1966م قانونا يجرم الإجهاض، ليس من مُنطلق أخلاقي، ولكن من مُنطلق رغبته في زيادة عدد المواليد في رومانيا من أجل إعداد المزيد من القادة، وهو ما جعل الإجهاض حتى ثلاثة أشهر من الحمل بمثابة جريمة تستحق السجن من عام لثلاثة أعوام، في حين أن الإجهاض بعد الشهر الرابع يُعد جريمة قتل يُعاقب من يقوم بها بمدة تتراوح بين خمس حتى عشر سنوات!
تجسيد معاني التضحية
يحرص الفيلم للتأكيد على معنى الصداقة التي من المُمكن لها أن تجعل الصديق يضحي بحياته وبكل شيء يمتلكه من أجل صديقه مُتمثلا في بطلتي الفيلم. يبدأ المُخرج فيلمه على لقطة طويلة ثابتة مُستخدما فيها كاميرا ثابتة لمنضدة عليها حوض أسماك، ومطفأة توجد فيها سيجارة مُشتعلة ليتصاعد الدخان عاليا، بينما تمتد يد أنثوية بين الفينة والأخرى لتتناول السيجارة ولا تلبث أن تعيدها إلى مكانها، في الوقت الذي نستمع فيه إلى حوار المُمثلتين الرئيستين مع استمرار الكاميرا على ثباتها لأطول فترة. إن هذا الثبات للكاميرا لا بد له أن يجذب المُشاهد ويجعله ينتبه إلى أسلوبية المُخرج التي ستستمر معه حتى نهاية الفيلم، وهي الأسلوبية التي تتلاءم تماما مع أحداث فيلمه.
نعرف أن جابرييلا- قامت بدورها المُمثلة الرومانية Laura Vasiliu لاورا فاسيليو- طالبة في بداية العشرينيات، وتقيم في سكن الطلبة في العاصمة بوخاريست، وتستعد في هذا اليوم لعملية إجهاض سري غير قانوني بينما تشعر بالكثير من الخوف والتوتر، تساعدها في هذا الفعل، مُعضدة لها، صديقتها الأقرب أوتيليا- قامت بدورها المُمثلة الرومانية Anamaria Marinca آناماريا مارينكا-. يحرص المُخرج على تقديم شخصيتيه الرئيستين من خلال استعراض سماتهما السيكولوجية من خلال الحوار، وهي السمات التي سيفصلها فيما بعد من خلال الأحداث؛ فنعرف أن جابرييلا تتسم بالكثير من الطفولية والاتكالية وعدم المقدرة على تحمل مسؤولية أي شيء، بينما تمارس أوتيليا معها دور الأم المسؤولة عنها وليس دور الصديقة فقط، وتقوم بالنيابة عنها بكل شيء من المُمكن أن تحتاجه جابرييلا التي تتهرب من المسؤولية أو فعل أي شيء مهما كان مُهما ويخصها في محنتها.
تصاعد درامي
يبدأ الحوار بأخذ مداه التصاعدي دراميا، فجابرييلا وصديقتها قد اتفقتا مع أحد الأشخاص الذي يدعى بيبي- قام بدوره بإتقان المُمثل الروماني Vald Ivanov فالد إيفانوف- على أن يقوم بإجهاضها، وأنه قد اتفق من خلال الهاتف مع جابرييلا على أن تحجز في أحد الفنادق المُعينة التي اعتاد على أن يجري الإجهاض فيها بأمان، كما طلب منها أن تقابله بشكل شخصي في هذا اليوم وأعطاها عنوانا سوف تنتظره فيه، لكن لأن جابرييلا لا يمكن لها الاعتماد على نفسها في أي شيء؛ تطلب من أوتيليا الذهاب إلى الفندق من أجل تسلم الحجز الذي قامت به هاتفيا، كما تطلب منها أن تقابل بيبي بالنيابة عنها.
تذهب أوتيليا بالفعل إلى الفندق الذي حدده بيبي، لكن موظفة الاستقبال، التي تتعامل معها بالكثير من الفظاظة، تؤكد لها أنه لا يوجد أي حجز باسم جابرييلا، وحينما تخبرها أوتيليا أنه قد تم الحجز هاتفيا تعيد الموظفة تأكيدها بعدم وجود حجز، كما أن الفندق لا توجد فيه أية غرفة شاغرة. تتحير أوتيليا وتذهب إلى فندق آخر محاولة الحجز بأي سبيل، فترفض موظفة الاستقبال في البداية مُتعللة بعدم وجود غرفة شاغرة، لكن بعد إلحاح أوتيليا وقبولها بغرفة بسرير مزدوج توافق الموظفة على حجز ثلاثة أيام لها. ربما نلاحظ هنا حرص المُخرج على عرض شكل الحياة في رومانيا في هذه الفترة الفاسدة اجتماعيا وسياسيا؛ فالمجتمع هنا لا يمكن أن يتم فيه أي شيء من دون وجود الرشوة في مُقابل الخدمات التي تمثل حقا طبيعيا للجميع؛ لذلك نرى أوتيليا تضطر إلى شراء علبة سجائر Kent النادرة في الأسواق الرومانية والتي لا تباع إلا في السوق السوداء بسعر غال من أجل إهدائها لموظفة الاستقبال في الفندق على سبيل الرشوة.
مجتمع مخنوق
كما نلاحظ أن المُجتمع بالكامل يكاد أن يكون رقيبا، أو مُخبرا على بعضهم البعض؛ فالجميع يتدخلون في شؤون غيرهم ويزجون بأنوفهم في حيوات الآخرين باعتبار أن هذا حق من حقوقهم؛ لذلك تتساءل موظفة الاستقبال موجهة حديثها لأوتيليا حينما ترغب في حجز الغرفة: أنت طالبة؟ إذا كنت تعيشين في سكن الطلبة، فلماذا تحتاجين إلى غرفة هنا؟ وهو الأمر الذي يجعل الفتاة تخبرها بأنهم على وشك الاختبارات وتحتاج هي وصديقتها إلى مكان هادئ تستطيعان أن تحصلا دروسهما فيه، كذلك نلاحظ أن ثمة قبضة أمنية وتدخلاً في شؤون الجميع وحيواتهم الشخصية في تأكيد على عدم وجود الخصوصية لأي مواطن في رومانيا، حينما تحاول أوتيليا الصعود إلى غرفتها في الفندق ومعها بيبي، فيوقفهما موظف الاستقبال قائلا: ألم يخبرك أحد بترك مُفتاح الغرفة في الاستقبال عندما تغادرين؟ كما يجب الإعلان عن الزيارات، لا يمكن دخول الأصدقاء هكذا، فترد عليه أوتيليا خائفة: بعد العاشرة، هذا ما قالته زميلتك، فترد عليها زميلته -موظفة الاستقبال-: أسأت الفهم، لو بقي لما بعد العاشرة عليه الدفع من أجل سرير، لكن يجب الإعلان عن جميع الزيارات، ثم تطلب من الضيف هويته الشخصية قبل الصعود، وتركها لحين رغبته في مُغادرة الفندق! إذاً، فنحن أمام مُجتمع يتم تقييده وخنقه ومُراقبته والقضاء على حياته الخاصة بكافة الطُرق المُمكنة؛ وهو الأمر الذي يُشعر جميع شخصيات الفيلم بالخوف طوال الوقت، والتوتر.