أغنيةٌ سمراء.. للولد المحزون

608

أحمد هاتف /

لطالما هربت من هذه الـ “لماذا”.. لطالما ذهبنا معاً الى “الافتراض الناعم” لأن صهيل الأحلام رغيفنا، نحن الذين تجوبُ نومنا الأنهار الهاربة من رجال قياس مناسيب الماء.. نحن الأولاد التسكنهم “ملوحة البحر وتكسرات أصوات النهامة المتلاشية في صمت البحر العاقل..”
نحن “التهزمهم مسائل الرياضيات والجذر التربيعي وتجار ضوء القمر والرجال الذين يجيدون رسم المربعات دقيقة “..
نحن “النصيع في شجار الكمنجات والحجاز كار”.. الممسوسون بالعبور الى أعالي البيات .
أقفُ على صوتك.. على “واضح” التنزُّ دماً وأنت تطلقها كـ ظباء البريات.. طويلة ومتقافزة وندية وخشنة وغارقة في زجاج يخدش حروفها فتضج حزناً وألماً ..
أقف على صوتك يصّاعد في الأويلي التطلق “ولدَ الريح الأسمر” ذاك اليلاعب المقامات فتبتَسم.. يكسرها فتتراجف …
بسمرته التشرق منها أمهات بلون السعف.. ولِكنتهُ التشبهُ نهراً غارقاً بالرمان.. بمِشيتِهِ التِرتبكُ فيها العيون.. جاءَ رياض أحمد.. ليناً كالدموع.. كأنه مجذافٍ رُمي في برّية حجر.. مكسوراً كـ “وداع عاجل”.. كان يغني كي يُعجزُ الليل فيتراخى.. يصرخ.. يتلون.. يبكي.. يتيه.. يحلم.. يتكسر.. يضّاحك.. يجوب كفوف طفولاته ..
كان يغني ليهرب الى بيت من أمومة وليونة نوم.. وبياض… يغني ليحلق كالأوزات الطائرة في مواسم الهجرات.. بعيداً وغامضاً ومطعوناً بخضرة وتراب وارتجاف جدران خربش الأولاد وجهها فبدت كحشد ذكريات مبهمة.
كان يغني ليزيح عن عيونه مدناً لم تعرفه.. وأرصفة لم تحتويه ومقامات لم تضحك له.. وألحاناً لم تألف سمرته..
كان يغني ليؤكد لبنتٍ في أرصفة العشار أنهُ هناك.. مرتبكاً في موعدها الأول.. ليناً كبنات الوحشة..
لم يكُ يغني.. كان يمسح عن وجه أيامه ماتراكم من زيت محركات الوقت.. كان يُجلي زجاج ساعاته بالغناء.. لأنهُ هناك في أعالي صوته يظل وحيداً وحراً.. لا فضول جمهور.. ولا كاميرات.. ولاعتب.. ولا نساء تفوح الشهوة من أثدائهن الصارخة..
هناك في أعالي “الصَبا” يستطيع أن يعوم في شط العرب عارٍياً إلا من صوته.. يغني للنوارس ولعجائز السفن المكسورة.. وللعشاق المختبئين تحت الأحراش.. وللسيّاب الذي زُرع موحشاً على خليج مسح دمعاته حين انطفأ آخر سراجات الحنين..
كان يغني لبحّارة أدركوا الحب طويلاً.. واستشاطوا شوقاً.. هؤلاء من علمه “كيف يبكي فتمطر” و “كيف يغني فتعود النوارس مطمئنة الى استقرار الشراع في الريح ..” هؤلاء الـ”علموه بدأب صياغة” الآهة الطويلة كالنخل.. والكثيفة كـ بساتين الليمون …
كان يغني “كي تنام الشمس” ويتاح له أن يشرب كأسا مع العتمة .
لم يكُ رياض رجلاً.. كان سمكة ولدت بقامة سمراء لتبكي البصرة.. حيث تبيع الصبايا ابتسامات عفاف للعابرين.. وحيث يولد المغني من ارتعاشة بيضاء لعباءة نسيت جسد المرأة وتلاعبت بالريح.. وحيث البحر يغسل كل ليلة عفاف المدينة التي تغسل الحزن بالسوالف والسكر والنهمات..
كان يغنّي لأن علامة إبهام مرّت مستقيمة بعينيه فلم يعد يرى غير الهروب الى الغناء …
يوم أغمض حنجرته.. انتظرت بغداد عتمتها.. كان الليل جافاً كـ ملعقة.. وصلداً كخطاب حرب .. بكت المدينة.. لأن الولد الأسمر اليحمل ضحكة ذابلة ومواويل لم يعد يطعم الليل خبز الأغنية..