أم كلثوم “حواديت” في بلاط السلطانة

26

عادل مكي /

الهانم العظمة وكوكب الدنيا، التي دربت قلوب المنكسرين في العوالم المنسيَّة على لثم جراحاتها بـ(“أنا بانتظارك)”. يتفق الكثير من المتابعين لسيرة سيدة النغم العربي أم كلثوم على أنها أحيطت بجدار حديدي يصعب الولوج من خلاله الى أسرارها وحماية تاريخية كبيرة كحماية الأباطرة والملكات، لأنها تعتبر عند المصريين رمزاً مصرياً كبيراً، إذ أسهم الرئيس عبد الناصر في حمايتها عبر ذلك الجدار، وكلما حاولت الصحافة الاقتراب منه، فإن مفرمة السلطة كانت تضع يدها على كل مايقال او يكتب.
كما أنها عوملت كـ (امرأة قيصر) في منزلة رفيعة المقام منعت الألسن من أن تتناولها، وحتى عندما تزوجت الدكتور حسن الحفناوي، الذي كان طبيباً أكثر من كونه زوجاً لها، هنا تدخل عبد الناصر شخصياً لمنع الصحافة من نشر الخبر أو التلميح له. وحين سأله أحد المقربين عن السبب قال له إن “خبر زواجها صحيح، لكنها طلبت مني شخصياً عدم نشر الخبر، وهذا أقل ما أستطيع فعله لها.”
وهنا السؤال الذي ظل بلا إجابه: لماذا تمنع أم كلثوم خبر ارتباطها برجل، هل أن الأمر لهُ علاقة بتكهنات صحافية خاصة جداً، أولها عدم ميلها البيولوجي للرجال، الذي كان حديث المجالس الخاصة، وفسر كذلك عدم رغبتها في الإنجاب، أم أن التحليلات هي ردة فعلٍ ذكوريَّة كونها امرأة قوية، وهو ما يتنافى وصفات المرأة الشرقية التي اعتدنا عليها خاضعة لتكون أنثى شرقية وإلاّ فهي غير طبيعية!
اسئلة كثيرة وممتدة كانت وستظل سراً من الأسرار
وحتى عندما وقعت في يد الصحفي مصطفى أمين أوراق عقد زواجها الرسمي بالحفناوي، وبينها رسائل منها تخاطبه فيها بـ (زوجي العزيز)، حملها أحد المسؤولين إلى جمال عبد الناصر، فاحتفظ بيها الرئيس ولم تظهر على الإطلاق، معتبراً إياها شاناً خاصاً لا يجوز لأحد أن يطلع عليه، لأنه كان يحترمها ويعتبرها قيمة وطنية عليا، وكان يمنع الإساءة إليها أو المساس بمشاعرها.
هل وبخ محمد نجيب أم كلثوم
يسجل التاريخ الفني لها أنها في بداية حياتها الفنية عام 1926 بعد تخليها عن التواشيح والأغنيات الدينية غنت أم كلثوم أغنية تقول في مطلعها:
(الخلاعة والدلاعة مذهبي من زمان أهوى صفاها والنبي)، وكانت من كلمات وألحان أحمد صبري، ومن تسجيل شركة (أوديون)، وحين سمعها الرئيس محمد نجيب قال لأم كلثوم:
“إنني أضع عليك آمالاً عريضة في الارتقاء بمستوى الأغاني في الفترة المقبلة” اعتراضاً منه على محتوى تلك الأغنية المبتذل، فقامت بعدها بسحب الإسطوانة من السوق ثم حذفت الأغنية برمتها.
لقد كانوا يعتبرون أم كلثوم ثروة وطنية يجب الحفاظ عليها، فقد كانت أول فنانة عربية تتبرع لصالح المجهود الحربي أيام العدوان الثلاثي على مصر من خلال إقامة الحفلات داخل وخارج مصر، إذ ذهبت أرباح حفلاتها جميعها لدعم ذلك المجهود.
ثم استغلها جمال عبد الناصر لتقريب وجهات النظر وإعادة العلاقات بين مصر وتونس، وقد أعادتها بذكائها الفني والدبلوماسي، ما جعلها هدفاً لجهاز الموساد الإسرائيلي، إذ جرى اقتراح فكرة اغتيالها لأكثر من مرة، بتكليف عناصر الموساد بزرع أجهزة تنصت في (ڤيلتها) الخاصة ومحاولة إرعابها عن طريق حادث السيارة المدبر الذي تعرضت له في شارع الهرم.
الإطاحة بمنيرة المهدية
وعن طريق الصدفة اكتشفت أم كلثوم، أنها كانت ضحية عملية خداع واستغلال لعشر سنوات، وأن نصف تعاقداتها الفنية ذهبت بشكل رسمي لصالح الطائفة اليهودية في القاهرة تحت إشراف رئيسها (يوسف قطاوي) الذي أطاح بمنيرة المهدية من على الساحة الفنية، لأنها كانت منافسة شرسة لأم كلثوم بعدما ألغى حفلاتها في فلسطين لتحل محلها أم كلثوم مقابل ألفي جنيه لكل حفلة، ومن شدة ثقتها به وكلته بالتوقيع عنها وتسلم حقوقها المادية، لكنه خدعها من خلال حصوله على نصف المبلغ وتحويله على شكل تبرعات باسم أم كلثوم إلى الطائفة اليهودية في القاهرة.ولم تسلم أم كلثوم من الحديث والرجم عن ميولها غير الطبيعية، فقد كانت تدور في الأوساط المقربة منها وبسرية تامة من خلال أغانيها التي كانت مزيجاً بين لغة المذكر والمؤنث، وبما يلمح بشكل أو بآخر إلى تلك الميول الجنسية التي تداولها البعض على استحياء مغلف.
حتى أن الكاتبة (اعتماد خورشيد) أكدت، من مصدر موثوق، من خلال انحرافات صلاح نصر، أنه يلمح إلى إشارات لـ (جنسانية) أم كلثوم بالقول إن هناك مطربة كبيرة فاقت شهرتها الآفاق، لكنها كانت مصابة برغبة مصادقة النساء والفتيات الصغيرات، لكن يبدو أن قوة وسحر أدائها جعلا الجمهور يتجاهل ذلك الأمر، ومع أن كل الافتراضات تبقى موجودة، لكنها غير كافية او قاطعة على الإطلاق، استناداً إلى أنها لم تحب في حياتها أحداً عند تعداد الرجال الذين ارتبطت بهم، بل عذبت آخرهم، وتلك في نظرهم دلائل على غرابة أم كلثوم. وبعض الصحف المصرية والإسرائيلية لمحت إلى ذلك من خلال بعض التساؤلات، كونها كانت محاطة بالكثير من الرجال، والإيحاء بأنها لم تحب رجلاً واحداً في حياتها، وقالوا إن الشاعر أحمد رامي، الذي أحبها حباً عاصفاً، قدم لها 137 أغنية من بين 283 أغنية طيلة حياتها، وأنها لم تبادله نفس المشاعر، وكذلك الحال مع محمود الشريف، الرجل الثاني في حياتها، الذي انفصلت عنه بعد أسبوعين لأسباب مجهولة. وثالثهم هو الموسيقار محمد القصبجي الذي أحبها من طرف واحد، وأفنى حياته جالساً خلفها على كرسيه الخشبي يداعب أوتار عوده بخسران.
أم كلثوم لم تكن مجرد فنانة ثائرة على الأنماط، فهي، وبحسب الكثيرين، قد غيبت وعي الشعب العربي سنين طوال بعد كل خسارة حرب أو هزيمة معركة، لأنها كانت كالمورفين الذي جعلهم مغيبين ينتشون من خلال صوتها الساحر وكلمات العشق والغزل، حين كانت أول كل يوم خميس من كل شهر تأخذ أبناء العالم العربي في غيبوبة وهم يتسمرون أمام أجهزة المذياع لكي يستمعوا لصوتها الشجي في عالم السلطنة الساحر. وعليه تبقى كل الافتراضات قائمة، ولا يمكن إثبات شيء، إذ لا دليل مادياً يثبت كل تلك الاتهامات، لأنها مجرد تساؤلات مفترضة لكوكب الشرق، تبحث عن إجابات عالقة في أذهان متابعيها ومحبيها طوال تلك السنين، رغم ما أحيط بها من جدار حديدي يصعب اختراقه.