إحباطات تكاد توقف عجلة الخزّافين في العراق

49

استطلاع – زياد جسام /

لا شك أن الخزف من أقدم الفنون الإنسانية التي ورثتها الحضارات، ليس لدوره الجمالي فقط، بل لأنه حسب علماء الاثار، المادة الأساسية والحيوية لتقدير عمر موقع أثري ما، أو ربما عصر بأكمله..
ولهذه الاهمية اشتغل مجمل فناني الخزف على إحياء هذا الفن وديمومته منذ ذلك الزمن، الا انه للأسف في الفترات الاخيرة بدأ الخزف يتراجع لاسيما في العراق لأسباب عدة، أهمها انقطاع التيار الكهربائي وسوء التسويق، وللوقوف على اسباب تراجع انتاج هذا النوع من الفنون، أجرت مجلة الشبكة هذا الاستطلاع.

ثقافة الاقتناء
الخزاف ماهر السامرائي تحدث إلينا عن تاريخ الخزف في بشكله الاكاديمي في العراق وقال: منذ إنتاج أول قطعة خزفيه فنية في معهد الفنون أيام فائق حسن وجواد سليم كان الفرن الكهربائي هو الوحيد الذي يستعمل لتعليم الفخر والتزجيج. الطاقة الكهربائية هي الوحيدة التي تشغل أفران الخزف واستمر عقوداً على هذا النحو.
كانت الأفران كلها تشتغل بالكهرباء واعتاد الخزافون الفنيون أن ينتجوا كل اعمالهم بأفران الكهرباء. تعطلت الكهرباء بعد حرب الكويت وتعثر الحرق بأفران الكهرباء التي اعتاد على استخدامها رواد الخزف وهم عشرات، ثم شمل التلكؤ التدريس الخزفي واستمرارية الإنتاج وبعد الغزو الأمريكي زادت ساعات القطع للتيار فتضاعفت مشاكل الحرق المعتمدة على أفران الكهرباء وتحول بعض الخزافين إلى صناعة أفران وقودها الغاز، ولكن انتشارها كان محدوداً، وما تزال مشكلة الأفران الكهربائية قائمة حتى اليوم.
وأضاف السامرائي: إن الكهرباء والأفران ليسا العائقين الوحيدين لإنتاج الخزف، ذلك أن الخزف ليس كالرسم والنحت، فمعدات الإنتاج الخزفي تعتمد على المادة الأساسية وهي الطينة النقية المصنعة لتناسب الإنتاج السليم. كما أن إكمال العمل الخزفي بعد الحرقة الأولى وتحول الطينة إلى فخار يحتاج إلى التلوين والتزجيج وهنا فإن الخزاف يحتاج إلى أكاسيد فلزات بعينها، وهي نادرة الوجود وغالية الثمن كالأدوية، كما أن الزجاج الخزفي وهو الذي يكسو الفخار ليتحول إلى خزف وبدرجات الحرارة المناسبة لنضج الزجاج، ليس من السهل إنتاج العمل الخزفي إلا بامتلاك هذه المواد.
اما عن قضية تسويق الأعمال الخزفية فقال السامرائي: عندما كسد سوق الخزف الفني بعد الغزو الأمريكي، هاجر خزافون كثر وتوزعوا على القارات. أما خزافو الداخل فقد أصابهم الإحباط وتعثرت نتاجاتهم، فكثير من معارض الخزف كان الاقتناء فيها صفراً، وهذا ما أحبط كثير من الخزافين بعد تكدس انتاجهم الفني لأكثر من مشاركة داخلية. غاب المفتنون لاسيما العائلات التي كانت تقتني أو تكلف خزافاً بعمل خزفي يزين جداراً أو زاوية سكن.
وغابت مؤسسات الدولة فلم تعد تقتني شيئاً، أما الأثرياء فأغلبهم ليس له علاقة بالفن ولا يعرف أن هناك ثقافة اقتناء ولا يفهم حوار الفن، واذا أعلنت عن سعر عمل فني لاحد الرواد فسيصدم.

افران غازية
اما الباحث والأكاديمي الخزاف د.تراث أمين عباس فقال: فن الخزف من الفنون التشكيلية الأكثر صعوبة في مراحل إنجازه لأنه يتطلب اجتياز مراحل تبتدئ بالطينة وجاهزيتها ولدونتها ومدى ملاءمتها للتنفيذ وتحملها لاحقاً لدرجات الحرارة التي تصل في اقل مستوى لها الى 1000 درجة مئوية, وقبل ذلك متابعتها اثناء تنفيذ النماذج والتجفيف لاحقاً ثم الفخر, وتأتي المرحلة الأخيرة في الطلاءات الزجاجية التي يدخل فيها علم الكيمياء كون الخزاف يتعامل مع أكاسيد لونية وتراكيب زجاجية هي مركبات وأكاسيد كيميائية، ولكل منها درجة نضج حرارية معينة يحددها الخزاف في اثناء تجهيزه خلطة التزجيج وتتراوح بين 950 وصولا الى 1250 درجة مئوية.
وعليه يمر الخزاف بمراحل من المعاناة من تجهيزه لنوعية الطينة وصولا الى تزجيج القطعة لتخرج بصيغتها الخزفية.
ولعل ابرز ما يشغل بال الخزاف ويقلقه هي عملية انضاج القطع الخزفية داخل الافران الخزفية المخصصة, وبوجه خاص في مرحلة التزجيج إذ أن الطلاء الزجاجي يبدأ بالتفاعلات في مرحلة حرارية معينة يحتاج حينها الى استكمال الصعود الحراري تدريجياً وصولاً الى الانضاج التام وإن أي خلل حراري أو توقف للمصدر كانقطاع التيار الكهربائي في لحظات الانضاج الحرجة للزجاج يؤدي الى مشاكل وتشوه في الطلاء الزجاجي، وبالمحصلة تكون خيبة كبيرة للخزاف الذي بذل جهداً وتعايش كثيراً مع عمله الفني ليوصله الى مرحلة الولادة النهائية..
هذا الامر يضع الخزافين امام عقبة مزعجة متمثلة بالتيار الكهربائي وعدم ثباته واستمراره في العراق.
وعن البدائل تحدث الفنان فرات أمين: كوني أحد الخزافين الذين يعانون من موضوع الكهرباء اخترت احد البدائل وهو الفرن الغازي اذ اصبح بديلاً جيداً عن الأفران الكهربائية, لسهولة استخدامه أولاً، ولأنه يجنبنا قلق الانقطاع الحراري من المصدر المغذي للفرن.
ويواصل أمين حديثه: لأني من محبي خزف ” الراكو” فقد وجدت في الافران الغازية ضالتي التي اتجاوز فيها مشاكل الكهرباء, وفي الوقت نفسه أنجز أعمالي الخزفية فضلاً عن تنفيذ أعمال بتقنيات الحرق بالحفر التي تعطي سطوحاً إظهارية جميلة في ما يسمى خزف التأثيرات الخاصة.

طاقة نظيفة
وعن الموضوع نفسه حدثنا لفنان الخزاف سعد العاني قائلاً: مشاكل الخزف في العراق ليست جديدة، إذ يواجه الخزافون مشاكل الطاقة الكهربائية منذ الثمانينات حتى يومنا هذا، لكن ثمة تفاوت في الأزمنة، اي في الثمانينات كانت الطاقة افضل من التسعينات اما بعد ٢٠٠٣ فأصبحت وما زالت رديئة جداً وللأسف أصابنا الإحباط وقطعنا الأمل.
اغلب فناني الخزف وجدوا البدائل في أفران الوقود كالغاز والنفط والخشب، والغاز هو الأفضل لرخص ثمنه ولأنه لا يلوث البيئة بمخلفات كاربونية كما يفعل النفط والخشب، لكن تبقى الكهرباء افضلهم لأنها طاقة نظيفة وسريعة ومتقنة ويتطيع الخزاف السيطرة عليها لاحتوائها على ساعة رقمية ميزات الكترونية في الافران الحديثة.