إحسان العر.. نفحة من الجمال وفلسفة الذات

458

سوزان المحمود/

في معرضه الأخير في غاليري جورج كامل في دمشق أدهشنا الفنان إحسان العر، الدهشة التي نادراً ما نشعر بها هذه الأيام أمام الأعمال النحتية المنفذة على خامة الخشب، سبعة عشر عملاً نحتياً تجريدياً تأخذك إلى عوالم التجريد البسيطة والعميقة في الآن ذاته، يصعب عليك أن تقاوم إغراء لمس المنحوتة الخشبية، و إغراء تتبع وتأمل خطوط الخشب والملمس الناعم الحريري لجسد المنحوتة المصقول الذي يكاد ينبض بالحياة وبالدلالات الحسية والفكرية، ستشعر بالطاقة الكامنة فيها. لايمكن للكلمات وصف مشاعرك التي تتشاطرها مع العمل الفني المشغول بأناقة فائقة والذي يدخلك إلى عوالم الفنان المبدع التي أنجزها بحِرفية عالية وذوق رفيع، الانسجام بين أجزاء المنحوتة كافة، توضع المنحوتة في الفراغ، علاقة الكتلة مع الفراغ، والتوازن المرهف بين الكتلة ومحيطها، وإحساسك العميق بإيقاع الحركة الذي توحي به الخطوط اللينة لسطوح المنحوتة. كل ذلك يخلق علاقة حميمة خلاقة بين المتلقي وبين العمل الفني.
لم يمنح الفنان إحسان عنواناً لمعرضه، كما لم يمنح أية منحوتة عنواناً لأنه يعتقد أن أي عنوان يوضع للعمل الفني يسقط جزءاً كبيراً من أهمية العمل لأنه سيؤثر حتماً في عملية التلقي.

سألنا الفنان عن سبب اختياره لخامة الخشب فأجابنا:

“لقد عملت ليس فقط على الخشب، فقد عملت على المعدن وعلى الرخام وعلى الحجر، لكنني أحببت في معرضي هذا أن أخوض تجربة العمل على الخشب، في الموروث الثقافي لبلادنا كان الحجر موجوداً أكثر من أي عنصر آخر بالنحت في التماثيل التدمرية والبابلية، وغيرها، بينما العمل على مادة الخشب في النحت كان قليلاً، الآن من خلال اطلاعنا على التجارب الخارجية من خلال السفر أو من خلال الانترنت نشاهد تجارب الآخرين بالخشب وغير الخشب، باللدائن مثلاً، البولستر أو الرخام الصناعي، لكن ما جعلني أحب الخشب هو أنه مادة حيوية، فقد كان شجرة أي كان كائناً حياً مثله مثلي لذلك اعتبره يمتلك روحاً كما نمتلك نحن أرواحاً، وهذا الكائن الذي انقطعت عنه الحياة ولدت فيه حياة أخرى بعد أن تحول إلى عمل فني، تعود هذه الشجرة لتأخذ أهميتها كمنحوتة لكن بنفحة جمالية خالصة ومختلفة. من هنا كانت البداية ومن هذا المنطلق الفلسفي الذاتي تقريباً.”

-وعن اختياره الأسلوب التجريدي في العمل يقول الفنان:

“المعرض عبارة عن سبعة عشر عملاً فنياً استغرقت ما يقارب السنة والنصف تقريباً لإنجازها، لم اتمكن من عرض هذه الأعمال حتى تكونت لدي القناعة الكاملة أنها ستصل للذي أريده أنا فيها، قدمت فيها تأليفات تجريدية ابتعدت فيها عن الواقعية، أولا كي أكون حراً في تنفيذ الأسلوبية التي أريدها بأبعاد جمالية من خلال السطوح والتأليف والتكوين، ثانياً كي ابتعد عن المباشرة على الخشب التي يُعمل عليها عادة في الواقعية أو التعبيرية، ربما هذا صحيح وهذا صحيح، لكن بالنسبة لي استهواني أكثر التجريد، دائما أرى التجريد مثل الموسيقى، أي انسان يراه يتمتع به و يذهب معه إلى أبعد مدى. المدرسة الواقعية هي طبعا أم المدارس الفنية لا نستطيع إنكارها، لكنها بالنسبة لي مرحلة أكاديمية، فأنا أعتبر الواقعية مرحلة فقط، فقد خرجت منها معدّات من أرض الواقع، الفوتغراف مثلاً الذي أصبح نداً للواقعية التي ازدهرت خاصة أيام فن الروكوكو بعد عصر النهضة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وما الذي حدث عندما اخترعت الكاميرا، حينها فكر الفنانون ماذا يفعلون، كان الأمر محرضاً لهم ليذهبوا باتجاه النواحي التعبيرية أكثر من نواحي إبهار المشاهد في دقة التفاصيل التي لا يمكن مضارعة التصوير الفوتوغرافي بها، هنا أعود فأؤكد أن بالتجريد يكون الفنان أكثر حرية في التعبير. من أجل هذا استهواني الخشب وسطوح الخشب بالملمس والخشونة، حاولت أن أخلق لغة مشتركة بيني وبين الخشب من خلال هذه اللغة واستطعت أن أؤلف أنا وهذه الخامة عملاً فنياً مع بعضنا البعض، فقد أخذتْ الخامة الصورة التي تريدها وأنا استمتعت ذاتياً بتنفيذ العمل واستمتعت من خلال محبة المشاهدين للأعمال.”

-هل الخشب، كخامة، يمكن أن تصمد طويلاً عبر الزمن أم أنه أكثرعرضة للتلف من الخامات الأخرى؟

“لدينا قطع نحتية خشبية عمرها آلاف السنين كتمثال الكاتب المصري المنحوت من خشب الجميز وهو موجود بمصر، لا يمكن أن يتلف الخشب بسرعة، إذا ما عالجناه جيدا بالزيوت يمكن حفظه جيداً وهو على كل حال يدوم أكثر من اللوحة.”

– لنتحدث عن الخطوط الأنثوية في أعمالك؟

الخط بالنحت هو التقاء سطحين، فأنا استطيع أن أوظف الخط النحتي بطريقة صحيحة، هذا البناء أو هذا الخط لا يُفترض أن ينقطع ينبغي أن تكون فيه استمرارية بالعين، ليس بالضرورة أن تكون استمرارية مادية، في بعض الأعمال ينقطع في مكان ما ويستمر في مكان آخر، توظيف الخط والسطح والملمس أمر مهم جداً، يجب أن يستثمرها الفنان بشكل صحيح كي يقدم منجزاً فنياً صحيحاً طبعاً، الخطوط في هذه الأعمال لها علاقة بالليونة لذلك تبدو أقرب للأنثوية، فالخط المتكسر له علاقة بالرجولة والخشونة، بينما تعبر الخطوط الشاقولية عن العظمة، أما الخطوط اللينة المنحنية المستخدمة هنا فتعبّر عن الحركة، فالتأليف النحتي يحدث حسبما يشتغل فيه النحات وحسب تصوره للعمل.

-استخدمت أكثر من نوع في النحت هنا؟

نعم، النحت هنا نحت مجسم يُرى من 360درجة لكنني استخدمت النحت النافر بالملمس داخل المنحوتة لأبرز التأثيرات، كي أستطيع أن أغمق بدون استخدام الألوان، أغلب الأعمال أبقيها على لونها الطبيعي أطليها بالزيت فقط، لكن يوجد هناك اختلاف بدرجات اللون بين أنواع الخشب طبعا مثل هذا العمل منحوت من خشب السرو لكن ليس من ساق شجرة السرو وإنما من جذرها لذلك يميل للاخضرار الذي أكدته باللون، ليست لدي مشكلة في استخدام اللون مع الخشب إذا كان يخدم العمل لكن اذا كان العمل مُخدم أصلاً أدعه على طبيعته.

-من بين جميع الأعمال الخشبية يوجد عمل لوجهٍ معدني واحد صادم ومباشر في صدر الصالة ما قصته؟

إنه رسالة لي، هو وعمل آخر مفاهيمي “خشب مع معدن” لأنني أرغب في المعرض القادم أن أعمل على التشكيل المباشر بالمعدن أو على الفن المفاهيمي.
-لِمَ العمل المفاهيمي؟

” لأنه فكر وهو موجود بالتصوير والنحت والادب والموسيقى وبالعلوم وليس بالضرورة من يقوم به أن يكون فناناً تشكيلياً، إنه عمل يتعلق بالفكر، كالعمل الذي قدمه في زمن مضى جوزيف كوست Joseph Kosuth (كرسي واحد وثلاثة كراسي) وضع صورة كرسي فوتغراف ووضع معلومات عن هذا الكرسي ثم قدّم كرسياً طبيعياً وشاهد كيفية رؤية الآخرين لهذا الكرسي، الشخص التعب شاهده كمكان مريح، الأديب يرى ما الذي يعنيه هذا الكرسي له، السياسي يرى فيه ما يعنيه ، ومصور الفوتغراف يرى ماذا يعني له هذا الكرسي، فهو عملياً حرض تفكير المتلقي وهو ما يجب أن يهتم به الفنان.