إعادة تدوير المخلفات.. فنٌ بيئيٌ له تاريخ

749

زياد جسام /

لو عدنا إلى الوراء وأمعنّا النظر في تاريخ الفن لوجدنا أن كثيراً من الفنانين الأوائل اشتغلوا في إعادة تدوير الخامات وتحويلها إلى أعمال فنية مهمة، سواء أكانت بالنحت، أم الكولاج، أم في أعمال الديكور الأخرى.
ومن بين الفنانين الذين تميزوا بهذه الأفكار الفنان العالمي بابلو بيكاسو، وهذا ما يظهر جلياً في عمله الشهير (رأس الثور)، إذ نجده بكل بساطة عبّر عن رأس الثور مستخدماً مقعـد دراجـة هوائية مع مقودها بإعادة تركيبهما بطريقة إبداعية مبتكرة، ففـي البـساطة يأتي التعبير، وفي التعبير يأتي المعنى الـذي هـو هدف الفنان في إظهار أفكاره للمتلقي.
للفنان بابلو بيكاسو أعمال مماثلة كثيرة، فقـدرة هذا الفنان الاستثنائية في الاعتماد على التشكيل النحتي بالمواد التالفة وإعادة تدويرها تكمن في استخدام هذه المواد على نحو طبيعي دون تغيير أو طلاء في معـالم هذه المواد، مع ذلك يصعب أحياناً على المتلقي معرفـة مكونات الشكل الإبداعي الذي يشاهده.
استيقاف المتلقي
بقي فن التعبير بمخلفات المعادن يمارس على مر العصور، إلا أنه ازدهر بالأعوام الأخيرة في أنحاء العالم مع ازدياد مخلفات البيئة الصناعية والمعدنية التـي بـدورها شجعت الفنانين والمهتمين بالتشكيل على إنتاج أعمال من هذه المواد، ولاسيما أن هذا الفن أصبح يحسب على الفن المعاصر العالمي. ففي كثير من البلدان نجد منحوتات ونصباً كبيرة مصنوعة من معادن أعيد تدويرها بشكل مختلف، مثل مخلفات السيارات التي تحولت إلى أشكال هندسية معدنية ونصب تذكارية مشكّلة بطرق إبداعية تستوقف المتلقي أينما وجدها.
إن إعادة تدوير هذه المخلفات وتحويلها إلـى أعمـال تشكيلية مهمة، تتطلب من الفنان أن تكون لديه موهبة حقيقية بالإضافة إلى حِرفية عالية في التعامل مع الخامات وتطويعها. وعلى سبيل المثال هناك فنانة فنلندية تدعى “مينا أكيجيركا”Miina Äkkijyrkkä أنتجت أعمالاً كبيرة حولت بها مخلفات السيارات إلى أعمال فنية تجريدية تعبيرية على شكل أبقار كبيرة، إن حب هذه الفنانة للأبقار التي كانت ترعاها في مزرعتها دفعها إلى أن تنتج مجسمات لها، لكونها عملت في مزارع الأبقار أعواماً طويلة، وكانت تراقب حركاتها وتشريحها يومياً، وبعد دراستها الأكاديمية استفادت من هذه المشاهدات اليومية كثيراً، فجمعت بين دراسة الفن وبين عملها الأصلي، وكانت غاية الفنانة الرئيسة من إنتاجها هي العمل الفني وليس المـادة المصنوع منها.
جرأة هذه الفنـانة جعلـتها في أعمالها المـشكّلة مـن مخلفـات البيئـة المعدنية متميزة على المستوى النحتي العالمي، وليس من السهل على الفنانة أن تعيد هيكل السيارة التالف عن طريق تطويعه من أجل الحصول على العمل الفني المطلوب، علماً أن الفنانة أكيجيركا اعتمـدت القيم التشكيلية للنحت الواقعي كالتوازن والنسبة والتناسب والتكوين وعلاقة الكتلة بالفراغ. من هنا نجد مجموعتها الفنية تتألف من قطيع من الأبقار بحركات مختلفة وأحجام تكاد تكون متقاربة، تفوق ارتفاعاتها الخمسة أمتار أحياناً. كما تكمن عبقرية هذه النحاتة فـي اختيار الجزء الذي يناسبها من القطع المعدنية التالفة للسيارة، فضلاً عن اللون الذي يظهر كأنه لـون مـدروس لعمل نحتي قائم بحد ذاته. إنها بمعالجتها للقطع والأشكال المعدنيـة، بالثني والقص والجمع ببعض أدوات الحـدادة البسيطة والحديثة، استطاعت أن تخرج لنا عدداً كبيـراً من الأشكال النحتية المعاصرة التي تميزت تميزاً كبيراً عُرفت به، إذ كيّفت الشكل مع ما يجول في مخيلتها التشكيلية، وداخلت الكتل المعدنية مع بعضها لتجعلها في انسجام تام فيما بينها لمـصلحة الشكل العام للتكوين النحتي.
عناصر جمالية
من هذه النتاجات ندرك أن كل أشكال التعابير إنسانية، يستطيع الفنان عبرها أن يعكس ما في دواخله، لكن الصعوبة تكمن في كيف يستطيع الفنان أن يوصل طرحه الإبداعي بالاتجاه الصحيح باستخدامه إحدى هذه الخامات الكثيرة، فقد يحيط الفنان أعماله الفنية بعناصر الجمال التي يقنع بها المتلقي، وهذه العناصر كثيرة وموجودة حولنا في كل مكان، ينفذها كل فنان بطريقة وجمالية مُستمدة من تجربته الخاصة ورؤيته، يعتمد ذلك على المنطق البصري الأقرب إلى حقيقة الأشياء، والتخلي عن الأوهام البصرية لمصلحة كتل حقيقية ملموسة يتعايش معها المتلقي ضمن بيئة العرض التشكيلي، بخلق نتاج بصري جمالي فكري، مستعيناً بشواخص بصرية ومكونات حديثة تحيل المتلقي إلى مناقشة خامات العمل الفني ذات الأبعاد الثلاثية، تمكّن المتلقي من التجوال حول العمل والاستمتاع البصري.
لا شك أن هذا النوع من الفنون أيضاً يندرج ضمن الفن البيئي والتركيبي، إذ وجد ترحيباً واسعاً من أغلب الناس لأنه قريب من الإنسان وفي محيطه الخارجي، مع أن هذا الأسلوب الفني مرتبط بالجمال والفكر كالرسم والنحت والفن التشكيلي وتفرعاته الحديثة، كما أن الفطرة تلعب دوراً كبيراً في إنتاجه، ما يدفع كثيراً من الناس إلى أن يجربوا وينتجوا عملاً بيئياً، ثم ينتظرون من الناس أن يقيّموا هذا العمل باهتمامهم به وإبداء آرائهم، سواء أكانت إيجابية أم سلبية.