احتضار الأغنية الريفية

132

عادل مكي /

تتأكد أهمية الغناء في حياة الشعوب من خلال المحافظة عليه وديمومته، فهو يمثل هوية متجذرة وثابتة غير قابلة للشك او التجهيل، لدى الأمم التي لها تاريخ عظيم ومشرق يبقى في ذاكرة الزمن، لأنها ورثت تلك التفصيلة المهمة في تاريخ الشعوب من حضارة ذلك الماضي، وهي إن فعلت غير ذلك فهي أمة ناكرة وجاحدة، لأنها قد تخلت عن إرثها العظيم الذي يمثل ذلك التاريخ بكل ما يحمله من ذلك الإرث الكبير.
وهذا الأمر ينطبق، ولا يبتعد، عن الغناء الريفي الذي هو محور موضوعنا، فهو بكل ما يحمله من موروث أصيل، غناء فطرة ولغة فريدة ناطقة لثقافة نسيج اجتماعي كبير له تاريخه وحضارته وسماته التي ميزته عن سواه، كما أنه سلوك بشري حيوي عميق متجذر غير طارئ أو شاذ عن فطرة مجتمعه وبيئته.
من هنا.. فقد ظل الغناء الريفي في جنوب العراق شاهداً على ترجمة واقعه بكل ما يحمله من ملامح طيب ووجع، رسختها بيئته الثرة بتفاصيل رسمت تاريخه الذي وسم بأصوات مطربيه، لهذا فإنك تلاحظ أن المفردة الشعرية منسجمة مع إيقاع نمط تلك الحياة التي تماهت مع الألم الى حد الوجع. على عكس إيقاع الحياة المدنية المترفة في العاصمة بغداد، التي كانت أغانيها تمتاز بالترافة المدنية البغدادية، وبكونها سهلة وبسيطة وخالية من الهم والحزن. وهذا ما يتعاكس والأغنية الجنوبية الريفية التي تجد فيها اللوعة والشجن، وبأطوار متشعبة ومتعددة وطرق أداء مختلفة، تختلف من منطقة الى أخرى ومن قبيلة الى أخرى.
لذا فقد تفرد الغناء الريفي بأطوار مميزة مثل (الصبي) و (المحمداوي) و (الطويرجاوي) و(الغافلي) و (طور جبير آل كون) و (طور اللامي) والكثير من الأطوار الغنائية المتعددة، إذ تفنن مطربو الغناء الريفي في ابتكار أنماط غنائية ريفية محدثة أدخلوا فيها قوالب الشعر المتعددة مثل الملمع والموشح، وحتى الشعر الفصيح.
وخلال العقد الثاني من القرن العشرين حدث شبه انفراج في الأغنية الريفية بعد توفر أجهزة التسجيل الصوتي على الرغم من بساطتها، كما أن افتتاح دار الإذاعة في بغداد أسهم في أن تدخل الأغنية الريفية عالم الاعتراف والانتشار من أوسع الأبواب من خلال المطربين حضيري أبو عزيز وداخل حسن، ومن خلال تلاقح الأغنية الريفية مع البغدادية، على الرغم من اعتراض الكثير من (البغادة) على هذا الأمر، ما سبب حرجاً للكثير من الملحنين الذين اشتهروا بتلحين الأغاني البغدادية السهلة والبسيطة، المتكونة من مذهب وثلاثة كوبليهات متشابهة في اللحن، قاصرة في المعنى العام وليست فيها وحدة موضوع متكامل في غالبية نصوصها الغنائية.
لذا أخذت الأغنية الريفية في الانتشار بسرعة البرق لعذوبتها ورقتها اللحنية من خلال بث الجلسات الريفية، ثم حدث الانفراج الأكبر بعد دخول شركات اسطوانات التسجيل، مثل شركتي بيضافون وجقماجي، وشركة سودا في حلب وشركة نعيم اسطوانات وشركات عربية أخرى فجرى تسجيل الكثير من الأغاني والمواويل والبستات للمطربين حضيري أبو عزيز وداخل حسن، فصار اللون والغناء الريفي معروفين في الوطن العربي بدلالة استقبال سيدة الغناء أم كلثوم للمطرب داخل حسن والاستماع إليه بشغف كبير، بحيث أخذ الفنان محمد عبد الوهاب من داخل ومن حضيري أبو عزيز نغم البيات، الذي لم يكن معروفاً عند المصريين، فاستخدمه عبد الوهاب في ألحانه وأغانيه.
وبعد ظهور جيل جديد من مطربي الريف أمثال سلمان المنكوب وعبادي العماري وسعدي الحلي وجبار ونيسة وفرج وهاب ورعد الناصري ويونس العبودي وحسن حول وجعفوري وشهيد كريم ونسيم عودة وعودة فاضل وكامل كشاش وعبد الزهرة مناتي وستار جبار ومدلل عامر وسيد جليل وجواد وادي، وأسماء كثيرة، إذ أسهمت هذه الأسماء في ازدهار الأغنية الريفية. عزز ذلك تأسيس فرقة مطربي الريف في دار الإذاعة، التي قدمت الجلسات والسهرات الريفية التي كانت تبث من خلال الإذاعة والتلفزيون. كما لا يمكن أن نغفل دور محال التسجيلات الصوتية في توثيق أكبر مكتبه صوتية لمئات المطربين عبر تسجيل عشرات الأشرطة الصوتية (بكرة) في أهم وأعرق تلك المحال لشرهان كاطع في البصرة وحميد العبودي في بغداد، بمرافقة عازف الكمان الشهير فالح حسن، إذ سجلت آلاف (البكرات) لأسماء كثيرة لا حصر لها.
الانحسار
لكن الغناء الريفي أخذ بالانحسار بعد عام 2003 لأسباب عدة، منها ما يتعلق بالتوجهات الدينية لدى غالبية المطربين وتركهم له، وكذلك غياب المؤسسات التي ترعى وتحتضن ذلك الإرث الكبير، وظهور جيل جديد من المطربين أسهم في تردي الذائقة الغنائية من خلال الأغاني السوقية الهابطة، التي أدت الى إزاحة كبيرة لأغنية الريف الأصيلة، الأمر الذي جعلها تقف في المرتبة الأخيرة لاختيارات الذائقة السمعية لدى الجيل الشبابي الجديد، ما أدى الى تغييب الأغنية الريفية بالكامل وعزوف المطربين الشباب عنها بحجة أنها أغنية (بيئة) محددة لا مساحة لها بالانتشار في المحيط العربي، كذلك عدم وجود ألحان جديدة مطعمة باللون الريفي العتيد عند غالبية الملحنين الجدد، معللين ذلك بأسباب شتى، من بينها الربح المادي السريع الذي يجنونه من تلك الأغاني.
لكن لا يفوتنا أن نذكر أن هناك محاولات خجولة يقوم بها بعض المطربين بإشراك عدد قليل من مطربي الريف من خلال (دويتو) يجمعهم بالفنان رعد الناصري او يونس العبودي، كونهما آخر عناقيد الغناء الريفي بمقطع او مقطعين على أقل تقدير في عمل لوليد الشامي مع يونس العبودي والمطرب علي جاسم مع رعد الناصري.
الخوف كل الخوف من ضياع هذا الإرث الكبير الذي لم يلتفت إليه أحد من باب التوثيق والأرشفة، حتى الجهود الفقيرة في إقامة أماسٍ غنائية يقوم بها الفنان علاء مجيد فإنها عملية تدوير لأغانٍ بغدادية وسبعينية، متناسين ذلك اللون الجنوبي الجميل، إلا ماندر.
ومن هنا نأمل في توجيه رسالة الى كل المختصين والمهتمين بالغناء العراقي بضرورة إنقاذ مايمكن إنقاذه من الأغنية الريفية العراقية التي باتت تعاني الاحتضار والموت والتلاشي في خضم صخب الألحان والأغاني الهابطة وموجتها العارمة التي اكتسحت كل طرب أصيل.