الأفلام الغرائبية.. عندما يطلق المبدعون العنان لخيالهم!

441

رجاء الشجيري /

عالمها السحري اتحفنا بأفلام وصفت بأنها غرائبية، وقدمت قصصاً من الصعب تصنيفها، تضمنت أحداثا مغايرة وغير مألوفة، فلا هي أفلام بأحداث وتسلسل طبيعي.. ولا هي أفلام خيال علمي، بل هي ما بينهما كما في فيلم “الآخرون” لنيكول كدمن، وفيلم “بنجامين” لبراد بيت، و”الحاسة السادسة” لبروس ويلز. لكن السينما تتميز عن الفنون الأخرى بشغفها وخلق ابتكارها، وعالم سردها الصوري وفضائها الذي لاحدود له.

ترى كيف ينظر نقاد السينما الى هذه الأفلام وفي أية خانة يضعونها ؟

الفيلم المختلف

الناقد السينمائي علاء المفرجي أكد على أهمية وجمالية هذه الأفلام الخارجة عن المألوف والتي ينظر لها من خلال زاوية الفهم الخلاق لرسالة السينما، مشيراً الى إن هذه الأفلام تأخذ الحيز الأكبر من اهتمام النقاد وجمهور السينما.. فالجميع يعرف أن الإنتاج السينمائي يبلغ الآلاف على مستوى العالم، ويكفي أن نذكر أن هناك معدلاً بإنتاج أكثر من فيلمين في الهند مثلا.. حيث يبلغ إنتاج الأفلام أكثر من 750 فيلما في العام، والحال نفسه مع الولايات المتحدة الأمريكية.

يضيف المفرجي: الخلاصة أن الفيلم المختلف هو الفيلم الذي يستوفي مهارة اللغة السينمائية والصنعة التي تلم بالجودة الفنية، من حيث الإخراج والتمثيل، وقبل كل شيء الفكرة التي صنع على أساسها الفيلم كما في فيلم “الشوط الأول من جولة بيلي لين الطويلة” للمخرج انغ لي.. بالنسبة لي يمكن أن أتجاوز مئات الأفلام المعلنة مقابل أن أشاهد (سفر الزمن) لتيرنس مالك، الابتكار في لغته وفي تأثيراته البصرية المدهشة… مثلما أنحاز جدا لفيلم يتناول الحرب من خلال مباراة رياضية، بسبب أنه اعتمد تقنيات متطوّرة ومذهلة في تصوير الفيلم، بسرعة تبلغ 120 إطاراً في الثانية، بدقة سينمائية عالية (4 كي)، ثلاثية الأبعاد، وهي المرّة الأولى التي يُصوّر فيها فيلم بمثل سرعة الإطار هذه. وهذا ما يجعلنا ننتقي الأفلام من بين آلاف تعرض كل عام.

مغامرة جورج ميلييه

الناقد السينمائي علي حمود الحسن أشاد بتجدد هذه الأفلام ومنافستها المستمرة وجمهورها الواسع ، لافتا الى أن هذه الأفلام ومنذ بداياتها الأولى(1895) حظيت باهتمام السينما فجرى إنتاج أفلام غرائبية ذات مواضيع غير مألوفة ومازالت، لأن غايتها إرضاء الجمهور وإبهاره، فمنذ مغامرة جورج ميلييه بإخراج فيلمه “رحلة الى القمر” في العام 1902، ومرورا بأفلام الرعب والخيال العلمي وظاهرة “الرجل الوطواط” و”السوبرمان” التي اقتبسها المخرجون من رسامي قصص الحكايات (الكوميكس)، وانتهاءً بأفلام حرب النجوم التي ابتكرها جورج لوكاس، لتكون فتحا لخيال الإنسان الجامح، وأفلام الخوارق، فضلا عن أفلام أخرى تنتج هنا وهنالك، تتضمن أفكارا وقصصا غير مألوفة، ذلك لأن الخيال الإنساني لا تحده حدود. وبالتزامن مع كل هذا فإن ذائقة الجمهور تبحث دائما عما يخرجها من واقعها اليومي، لذلك تسجل أفلام الخوارق والخيال العلمي وقصص العنف والأشباح، أعلى نسبة مشاهدة وتشكل نسبة معتبرة من إنتاج هوليوود، الجمهور يتماهى مع هذا النوع من الأفلام ويتقبل ما فيها، لأنها تخرجه من كل الضغوط التي تنتجها حضارتنا المرتكزة على زر نووي لانعرف متى يعلن نهايتها. الأفلام الغرائبية وغير المألوفة تحررنا من السلطة ومن الواقع وتطلق العنان لحرية خيالنا ورغباتنا المكبوتة،
ما جعل السينما تدهش وتبهر جمهورها خلال مسيرتها التي تجاوزت القرن من الزمان بعقدين، هو التطور التقني الذي غيّر أساليبها وأعطى لمواضيعها إمكانية التحقيق مهما كان جنوح خيالها، لذا ستظل هذه الأفلام تجدد نفسها وتحافظ على جمهورها.. بالرغم من المنافسة الضارية لوسائل الاتصال الذكية.

لعبة السرد الصوري

أما قراءة الناقد علي الياسري السينمائية في اللعب على عامل الزمن دراميا فقد جاءت كالآتي: انساقت السينما باعتبارها وسيطاً تعبيرياً بصرياً الى إثارة الشكلانية في الأدب والتشكيل الفني، فاستلهمت النصوص واللوحات من خلال طرح مفاهيم جمالية تعتمد الغرائبية والعجائبية في صياغة السرد الصوري. ولقد وجدت هذه الرؤى في إعادة تعريف الإحساس بالحياة والأشياء بعيداً عن رتابة الاعتياد، صدى كبيرا لدى صنّاع السينما، من حيث كونها متنفساً واسع الطيف لتموجات الخيال بمواجهة إحباطات العيش أو العجز أمام سطوة الفناء، فجاء الانزياح نحو الماورائيات فسحة لصرخة احتجاج مكلوم وشحنة إصرار لمجابهة المحن، يخلق منها الإنسان سبباً لمواصلة الحياة ويستلهم العبر للقادم.

يضيف الياسري: فبرز كل ذلك بشكل جلي من خلال اللعب على عامل الزمن دراميا واختراقه في انتقالات تتجاوز حد التتابع التقليدي للوقت. وجاءت حكايات أفلام الفنتازيا كالمعالجة الأكثر شيوعا في السينما، باعتمادها الخلق الدرامي لمظاهر عجائبية خارج الواقع المألوف.

تحايل

أما الهيكلية الأرسطية والتحايل عليها بشكل فني وجمالي، فقد ذكر الناقد السينمائي فراس الشارووط ذلك بقوله: اختلاف البنية الحكائية السردية في الأفلام هي ليست وليدة الآن، فهي كانت مع بدايات السينما الأولى حين أخرج(غريفيث) فيلمه (التعصب)، والذي يروي أربع حكايات في أربعة أزمان مختلفة، بداية من عصر المسيح وانتهاء بالحرب الأهلية الأمريكية، وكلها تتحدث عن موضوع واحد هو التعصب الذي يودي بالبشر الى نهايات وخيمة، لكن العبقري أورسون ويلز قدم شكلاً آخر للتعدد السردي في فيلمه المهم (المواطن كين)، حين شاهدنا وانصتنا الى تعدد الروايات حول شخصية المليونير (كين).