الأوبريت.. الفن الذي غاب وروّاده حاضرون

97

رجاء الشجيري /

فن الأوبريت هو عمل مسرحي غنائي شعري، وأصل الكلمة إيطالي “operette” وهي صيغة مأخوذة من أوبرا، وعليه فهو أوبرا مصغرة أو النوع المخفف منها، وهو فن يعتمد على عرض مسرحي فيه قصة وسيناريو وحوار غنائي وشعري وألحان وفرقة أوركسترا ضمن لوحة متكاملة تقدم على خشبة المسرح.
لكن كيف ومتى بدأ لدينا؟ ومن أسَّسه؟ وهل مازال مستمراً أم أنه اندثر؟ أسئلة تطرحها “الشبكة” في الاستطلاع الآتي:
البداية والتأسيس
اختلط لدى كثيرين ما المقصود بالأوبريت، فقد مرت أزمان ظن الناس فيها أن الأغاني الجماعية مثلاً، أو الحوارية البسيطة، هي أوبريتات وذلك خطأ شائع.. فالأوبريت الحقيقي الذي بدأ لدينا كانت انطلاقته الأولى من البصرة في السبعينيات من القرن الماضي مع الفنان قصي البصري الذي خص “الشبكة” بالحديث عن بداية التأسيس كما زودنا بأجمل الصور من أرشيفه للأوبريتات التي قُدمت آنذاك، يقول:
سافرت الفرقة البصرية إلى بغداد بقيادة الدكتور حميد البصري لتقديم أغانٍ، فغنى كل من طالب غالي وسيتا هوكوبيان وفؤاد سالم ولويس توماس في حفلة غنائية، بعدها اجتمعنا في بيت الشاعر محمد سعيد الصكار، أنا وطالب غالي وحميد البصري وعلي العضب، واقترح الصكار أن نقدم أوبريتاً، فذلك أفضل من مجموعة الأغاني، بعد ذلك قال ياسين النصير “أنا لدي قصة عن هجرة الفلاحين إلى المدينة التي انتشرت في تلك الحقبة كثيراً،” فقلنا له إذن أنت حصتك السيناريو، والألحان كانت لحميد البصري والشعر الفصيح لخالد الخشان الذي غنته سيتا هاكوبيان، وأنا أخذت على عاتقي اللوحات والإخراج للأوبريت، وبدأنا مشوار هذا الفن.
يواصل البصري حديثه قائلاً: أنجزت ثلاثة عشر أوبريتاً على نطاق المدارس والنشاط والمدرسي والفرق الفنية منها: (بيادر خير، والمطرقة، وما أبيع طوكي، تأليف الشاعر أبو سرحان ألحان كوكب حمزة، بطولة جلنار وصالح مهدي وإخراجي.. )
وكان أبطال أوبريت بيادر خير: فؤاد سالم وشوقية العطار وعبدالإله عبدالقادر وعبد الأمير السلمي وقصي البصري وطالب غالي وإبراهيم أبو الهيل وعباس مجيد وسيتا هاكوبيان وأم لينا وضياء البصري.
أما أبطال أوبريت المطرقة فهُم: فؤاد سالم وأم لينا وطالب غالي وقصي البصري وعبدالإله عبد القادر وعبد الأمير السلمي وعبد القادر أحمد وضياء البصري وفرج الدوسري وفريال عبد النبي وعباس البصري وإبراهيم أبو الهيل وكريمة الزبيدي وسلمى الزبيدي وشوقية العطار.
وأوبريت (الطوفة) كان من تأليف الشاعر داود الغنام وألحان نجم مشاري وإخراج قصي البصري، بطولة زحل وصالح مهدي ومحمود أبو العباس وكريم عبود وهشام شبر. كذلك أوبريت (عرس الشهيد) تأليف داود الغنام وألحان هاشم يوسف، تصميم وتدريب قصي البصري إخراج صلاح كرم، بطولة عواطف السلمان وفيصل حسن وثائره عبد الحسين وعبد الأمير السلمي، وأوبريت (عيون الفجر) تأليف داود الغنام ألحان ذياب خليل تصميم وتدريب وإخراج قصي البصري بطولة عباس مجيد ونهاد علوان، وأوبريت (عشاق الفجر) تأليف داود الغنام ألحان جعفر الخفاف تصميم وتدريب قصي البصري وإخراج صلاح كرم، بطولة ثائرة عبد الحسين وقصي البصري وخضر البدري وحميد صابر وحسين زيدان وجبار التميمي وكامل عبد.
مضيفاً: وبعد أوبريت (بيادر الخير) عممت وزارة التربية آنذاك على مديرياتها كافة لعمل أوبريتات.. وأصبحت هناك منافسة بين المحافظات، و أبرز الأوبريتات التي قدمتها مديرية النشاط المدرسي في ميسان مثلاً :
يولدون من جديد / تأليف نعمة مطر إخراج الفنان رضا جابر، ١٩٦٩
كل ليالينا كمر، تأليف نعمة مطر إخراج كاظم العبودي ١٩٧٠
صوت الكاع، تأليف نعمة مطر إخراج كاظم العبودي ١٩٧١
شموع المحلة، تأليف جبار الجويبراوي إخراج كاظم العبودي ١٩٧٢
لاحقا عند دمج فرقة المسرح والفرقة القومية للتمثيل أصبحت الأوبريتات عبارة عن لوحات، ولهذا استمر أثر (بيادر خير) حتى اليوم.
يضيف البصري : القصة كانت من أهم أركان الأوبريت، قصص معاناتنا وما نمر به، ففي أحد الأوبريتات ذكرت فيه قصتي الشخصية وما عشته أثناء سجني عامي 19٦٣و19٦٤ في نكرة السلمان وسجن بعقوبة، فكانت الشخصيات الحاضرة: المأمور القاسي (فهد) الذي مثل دوره عبد الأمير السماوي وجملته الشهيرة “كولو مو خوش المأمور” والشرطي الطيب (أبو هيال) الذي كان يساعد الجميع، والشرطي (حاتم) الذي كان يتفنن في ضربي طوال الطريق وهو يوصلني للحلاق.
سألناه عن سبب اختفاء الأوبريت الآن فكان جوابه: الأسباب كثيرة، لعل أهمها غياب الدعم الحكومي له، وتشتتنا نحن صنّاعه أيضاً في بلاد الغربة.
بين القصة والرواية
الشاعر (عامر عاصي) حدثنا بموضوعية عالية عن هذا الفن بقوله: الأوبريت فن وافد، وليس من الفنون الشرقية. يتضمن اسمه مقطعاً متعلقاً بالأوبرا التي هي بالأساس شعر مموسق، قطعٌ منه تكون على شكل سوناتات أو أغنية، وقطع أخرى شعرية تمهيداً للأغاني، أو تكون أداة ضمن القصيدة المغناة، والقصيدة الملقاة والموسيقى والصوت البشري، لذلك يحتاج الأوبريت إلى قدرات عالية في الأداء من قبل المطرب أولاً، فهو بحاجة إلى (مد وترلات) موسيقية صوتية هائلة وطبقات صوت تجسد القصيدة المكتوبة وليس المموسقة أثناء الأداء في المقاطع، فضلاً عن المقاطع المغناة، والأوبريت يتضمن وحدة موضوع تكون أكبر من الأغنية، فإذا كانت الأغنية تعادل القصة سردياً فالأوبريت يعادل الرواية، فهو أكثر تفصيلاً وأعمق وأدق من الأغنية في تناول الموضوع.
يضيف عاصي: الأوبريت فُهم بشكل خاطئ لدينا، (أوبرا عايدة) مثلاً في مصر تجربة مهمة وأوبريتات محددة أخرى في الشرق عموماً. في العراق أصبحت الأغنية التي تتكون من مذهب وكوبليهين يظن بعض الناس أنها أوبريت، لكن الأوبريت يفترض أن يتضمن مقاطع شعرية كما أوضحنا، وفي الثمانينيات كُتبت بعض الأوبريتات البسيطة مثل أوبريت (الجنية) البصري وكان لوحة راقصة أكثر منه أوبريتاً، والرقص أخذ كثيراً من جرف العمل، بصراحة لم أجد أوبريتات بعد ٢٠٠٣ في فوضى المصطلحات والمناصب والمفاهيم، ضاع الأوبريت لدينا تماماً. حاولت أن اكتب عن واقعة تكريت “سبايكر” أوبريتاً يتكون من مقاطع شعرية تلقى إلقاءً مع موسيقى تخدم المقاطع الغنائية التي تأتي بعدها في وحدة موضوع في محاولة لأسطرة ما حدث في سبايكر، وهي محاولة متواضعة لكتابة أوبريت.
محاولة
الموسيقي ومطرب المقام (طه غريب) يقول: الأوبريت فن مسرحي غنائي درامي شعري، يعتمد الألحان والإيقاعات المختلفة والمتنوعة لغرض الترفيه كما أخذناه من الغرب. بدأ الوطن العربي التعرف عليه في بداية عشرينيات القرن الماضي، ومصر هي السبّاقة، والملحن والمطرب (داود حسني) هو الذي أسس أول أوبريت بما يحمله من قصة وسيناريو وألحان وأشعار، كذلك أخذه الرحابنة في لبنان. أما لدينا في بدايته لم يكن كاملاً بل أخذنا جزءاً منه فقط، فكانت مثلا محاولات للقبنجي مع زكية جورج ١٩٢٩ تمهيداً له، ولم يكن ما قدماه أوبريتاً، بل حوار غنائي موسيقي دون سيناريو، وأنا شخصياً أقول: ليس لدينا أوبريت كما في أوروبا، والنسخ التي لدينا هي تعديلات وتصرف.
وقد بدأ هذا الفن فعلاً بالبصرة في السبعينيات مع قصي البصري و(بيادر خير)، وكان مصطفى عبد الله من كتاب سيناريو الأوبريت عام ١٩٤٧ حتى ١٩٨٩.
ويضيف: اشتركت في أوبريت (النصر) الذي قُدم على المسرح الوطني، وهو أوبريت يحكي عن تحرير الموصل من إخراج الدكتور زهير كاظم وفيه حركات رقص وأزياء وغناء، ومثلت فيه دور (سيد اسماعيل الموصلّي) وهو من أقدم مشاهير قراء المقام في الموصل، وأنجز قسم الموسيقى في شبكة الإعلام العراقي أوبريت (أنت عراقي) عام ٢٠١٩ وكان الكاتب والمخرج فيه زهير كاظم، أما القصائد فكانت لمجموعة من شعراء الموصل الكبار، وكان هناك أوبريت (تراب الوطن) كتبه كريم العراقي ولحنه طالب القره غولي وإشراف وإنتاج كريم عاشور في ٢٠٠٦.
المايسترو في السمفونية العراقية (علي خصّاف) أكد أيضاً تواضع تجربتنا في الأوبريت قائلاً: محاولاتنا بسيطة ومتواضعة جداً في العراق، باستثناء فترة السبعينيات و(بيادر خير) هو الوحيد أوبريت بمعناه الفني والموضوعي، وانحسر هذا الفن المهم بعد ذلك، وفي الثمانينيات كانت للمسرح العسكري محاولات إحداها كانت من ألحان علي عبد الله وسليم سالم لأوبريت اسمه (جذور الحب)، أما في مصر فقد أخذ صداه على يد سيد درويش و(العِشرة الطيبة) وأوبريت (حمدان وبهانة).
يضيف خصاف: إن فن الأوبريت ليس بالفن السهل، فهو يحتاج قدرات عالية من الشاعر والملحن والموزع وكاتب السيناريو والكورال ضمن السياق الذي يتلاءم مع السيناريو والحوار المسرحي الشعري والقصة والموسيقى. هي عملية معقدة تحتاج أن تتكفل بها الدولة، وإذا كنا نحن في الفرقة السمفونية حتى الآن ليس لدينا مكان محدد فكيف يكون هناك أوبريت؟ فلا يوجد ممول أو (سبونسر) يأتي لتمويل فن صعب كهذا، ولكن لو توفر هذا الدعم الحلم لأنجزنا أعظم الأوبريتات وأجملها ضمن ما لدينا من أمكانيات وقصص معاناة وأحداث مررنا بها.
الخلاصة هي أننا نحتاج إلى خلق ثقافة مسرحية أولاً تجذب الأطفال والشباب وترتقي بهم نحو هذه الفنون الراقية.