الإهمالُ والتجاوزات يطوِّقان جداريات بغداد

47

استطلاع : زياد جسام – تصوير: بلال الحسناوي /

تفتخر دول العالم المتحضر بصروح أنجزت لتحاكي حياتها لعصور مختلفة، بعضها يستدعي التاريخ والآخر يقدم الحاضر بروائع الفلكلور الذي يشمل هويتها، ولاسيما تلك الأعمال التي رحل منفذوها من المبدعين، وهذا ما يلمسه المسافر إلى أرجاء المعمورة، ولاسيما تلك التي توصف بالمتحضرة والمتطورة،
إذ يوجد عدد هائل من الأعمال الفنية من المنحوتات والجداريات منتشرة في المدن تؤكد هويتها وتاريخها وجمال بنائها وبنيتها المعرفية.
في بغداد، هناك كمٌّ من الأعمال الفنية، سواء أكانت نحتاً أم رسماً، أو “جداريات” تزين ساحات وجدران بغداد في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وتعد إرثاً حضارياً مهماً، لكنها تعاني الإهمال بشكل كبير لأسباب عديدة.
لهذا ارتفعت الأصوات التي تطالب الجهات المعنية بإيجاد حلول للحفاظ على هذه النصب والجداريات وإعادة رونقها وجمالها، مجلة “الشبكة العراقية” ناقشت هذا الموضوع مع عدد من المعنيين وخرجت بهذه الحصيلة من الآراء والمواقف:
تأليف ومجانسة
د.جمال العتّابي انشغل بهذا الموضوع منذ فترة طويلة، ولاسيما عندما كان مدير عام دائرة الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة، تحدث لنا قائلاً: كل النُصب والجداريات المهملة في بغداد بكفّة وجدارية ناظم رمزي بكفّة أخرى، فلهذه الجدارية قصة يمكن أن تختصر ما يدور في أروقة المؤسسات المعنية من إحباطات، الجدارية كانت تزين واجهة مستشفى فيضي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي في الكرادة الشرقية، إذ أقدم عبد الوهاب فيضي على تشييد مستشفى خاص باسم العائلة، اختار مفترق طرق يتصل بالكرادة وشارعي النضال من كل الجهات، وما يوقد الحجر الصلد من غفوة، حينذاك ندرك معنى الجدارية التي تصدرت ركن المبنى. احتفى المكان بالجدارية التي نفذها رمزي بمادة الموزائيك، لتعلن عن جدارتها في التأليف والمجانسة. ومع الوقت بدأ المستشفى يتلاشى وأهملت الجدارية تماماً، ما جعل الفنان رمزي يتساءل بمرارة بعد أن غادر البلاد مكرهاً: “ما الذي جعل الجدارية تذوي؟ وتنام عيون الوطن عن لصوص، وقتلة، وسماسرة، ليتني أفهم ما الذي جرى؟” وهنا أجبته وأكرر الجواب ايضاً: “دعني يا ناظم أروي لك باختصار شديد ما سجلته ذاكرة شاهد وجد نفسه في امتحان عسير يوم امتدت المعاول لتهدم المبنى، وظلت الجدارية وحيدة تتكسر من فرط أحزانها.”
النفايات تستعمر الفن..!
كانت هناك نبرة عالية بأصوات الفنانين تطالب وزارة الثقافة وأمانة بغداد بإنقاذ الجدارية، كانت الأصوات قاصرة في فرض إرادتها بنقل العمل من المكان الذي تفوح منه رائحة بارود المفخخات التي تفجّرت حوله، ورائحة عفن النفايات التي تكدست أمامه، لم يكن للأصوات المبحوحة من صدى أو استجابة في زمن الإرهاب والموت في الشوارع الخرساء.
المبادرة الأخيرة والوحيدة جاءت من خارج أسوار العراق، مثل ضوء أبيض بدد صمت السنين، إذ تبرعت عائلة فيضي -المقيمة في لندن- بالجدارية إلى وزارة الثقافة، بالاتفاق مع الفنان ناظم رمزي الذي مازال مسجَّلاً على قيد الوطن، واشترطت الحفاظ على تفاصيلها أثناء النقل، وتحمل تكاليفه، وأوكلت المهمة إلى المبدع الطبّاع مريوش فالح (أبو رمزي)، خريج مدرسة ناظم الطباعية التي تعلم فيها فنون الطباعة والتصميم وأسرار اللون، وأصبح من أهم وأبرز المتخصصين في هذا الميدان، واختيرت إحدى واجهات معهد التراث التابع لدائرة الفنون كبديل مناسب ومنسجم مع مضمون الجدارية، وأكمل السيد مريوش الإجراءات الأصولية القانونية والإدارية للمباشرة في تنفيذ النقل.
جهل العامة بالفنان
تمضي الأيام مسرعة لنفاجأ بمقترح مدير الدائرة الهندسية في الوزارة يبدي فيه استعداد دائرته لنقل الجدارية بإمكانات موظفيه (الفنية) المتواضعة، ثم يتفتق ذهنه، بعد أيام قليلة، بمقترح آخر أغرب من الخيال مخاطباً رأس الوزارة: ماالداعي في نقل الجدارية يا أستاذ؟ (خلي نسوي مثلها)!! لحظتها شعر الشاهد أن مطرقةً من حديد هوت على رأسه من الخلف، ويداً أخرى أمسكت بخناقه ضيقت عليه فرصة سحب أنفاسه، ليستعيد توزانه، ليس أمام المرء في لحظة مثل تلك سوى الغضب، قد يكون وحده أسرع الاستجابات في المواجهات الفاصلة، وقّع المسؤول بالموافقة على المقترح (الفلتة)، حين كان يمسّد لحيته المخضبة بالحناء، وهو لا يدري من هو ناظم رمزي!! وذهب الشاهد نحو اللا جدوى! هذه هي الحكاية يا ناظم!! كانت عيناه لا تقويان على الحزن وهو يتابع مايرويه الشاهد!
والآن هل ثمة أمل أن تُنقل الجدارية إلى مكان يليق بها؟ هذا هو السؤال الذي نطرحه باستمرار على أصحاب القرار.
قيم إبداعية
أما د. نجم حيدر فقد أكد خلال كلمته أن بغداد هي عاصمة الحضارة التي تمتلك تاريخاً نادراً لا يشبه تواريخ مدن العالم، لكننا للأسف الشديد لا نجد من يهتم بجمالية هذه المدينة التي تغنّى بها الكثير منذ أيام العباسيين إلى يومنا هذا.
استطاع بعض فناني جيل الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، وبشجاعة، أن يضيفوا إلى بغداد جماليات حضارية مختلفة مثل الجداريات والمنحوتات ذات قيم إبداعية لا يمكن التغافل عنها. هذه الصروح بدت تتهاوى، بل تندثر لأسباب عديدة، بعضها أساسه الإهمال والآخر يتمثل بتغيير عشوائي يحيط بها.
وأضاف: هكذا هو حال جدارية فائق حسن خلف ساحة التحرير، وكأن العين تبكي لما يحيطها من سوء عبثي، والأمر يشمل جدارية ناظم رمزي التي تقع في الكرادة الشرقية، إذ لابد أن يصار إلى تغيير جزئي لما يحيط بها من عمارة كي تحقق حضورها المكاني والجمالي، فضلاً عما يضاف من إنارة حديثة تليق بهذه المنجزات الإبداعية النادرة. يشمل ذلك مجموعة جداريات غازي السعودي التي تبدأ من أمام المتحف البغدادي وتنتهي بمداخل حدائق الزوراء، إني ادعو الجهات المعنية لدراسة والقع الجمالي لبغداد وإظهار القيمة الحضارية للمدينة، وهذا ما قامت به دول فقيرة بالنسبة للعراق صاحب الحضارة والتاريخ المشرف، فلماذا نحن غافلون؟
ذاكرة المدينة
ويرى الفنان د. قاسم محسن أن الإهمال طال أغلب معالم مدينة بغداد، ولاسيما المعالم الفنية منها، التي تمثل الوجه الحضاري وذاكرة المدينة الفنية والجمالية، وقال: “قبل ايام مرت الذكرى المئوية لتأسيس دولة العراق الحديث، وكان الأجدى هو تشكيل لجان فنية ومعمارية فاعلة لدراسة وضع تلك المعالم الفنية وإمكانية إعادة تأهيلها بطرق حداثوية رصينة.” وأضاف: “لكي نشرع ببناء رصين، لابد من ترميم منجز الفنانين السابقين ومن ثم التأسيس لمرحلة جديد تواكب العنوان الكبير (العراق الجديد)، أي مرحلة ما بعد عام 2003، لكن للأسف لم نجد أعمالاً فنية يمكن الإشارة إليها بعد هذا التاريخ، وكأن سلسلة الإنجازات الفنية والتزيينية للعاصمة قد انقطعت بعد سقوط الصنم، ولم يعد الفن التشكيلي والفن البيئي لهما دور في الحياة المجتمعية. فالفن يمثل وجه العراق الحضاري، متزامناً مع الفن المعماري. فلو وضعنا قاعدة بيانات للأعمال الجدارية سنجدها بعدد أصابع اليد الواحدة، ومنها جدارية الفنان فائق حسن، التي امتلكت تسميات عديدة منها: (جدارية الثورة، جدارية السلام، جدارية الحرية، جدارية الأمة، جدارية 14 تموز، جدارية أربع حمامات، جدارية عيد النصر)، واستقرت تسميتها بجدارية (فائق حسن) في ساحة الطيران، وهي من مادة الفسيفساء وبقياس (80/10 م ×90/8 م).”
ماعادت بغداد كما كانت
كذلك فإن للفنان ناظم رمزي جدارية من الفسيفساء للعالم ابن سينا، التي تزين مدخل مستشفى فيضي في بغداد قبل أن ينتقل المستشفى ويتحول المكان إلى ساحة لوقوف السيارات ويصبح المبنى مهجوراً، وهي جدارية كبيرة منتجة في إيطاليا، ومن الجداريات المهمة كذلك جداريات الفنان غازي السعودي، اثنتان تزينان مدخل الباب الرئيس لحدائق الزوراء وأخرى بجانب المتحف البغدادي. هذه هي أهم الجداريات في العاصمة من الفسيفساء، التي انتجت جميعها بفترات بعيدة، جميعها تعاني الإهمال باستثناء الجداريات التي تزين مدخل حدائق الزوراء. فما عادت بغداد كسابق عهدها، تلك المدينة الجميلة النظيفة التي طالما تغنى بها الشعراء، فقد أصبحت اليوم من أكثر العواصم الحزينة في العالم بسبب الأحداث السياسية والحروب المتعاقبة. وكان الأجدى العمل بجد للحفاظ على الأعمال الفنية والنُصب والجداريات لكبار فنانينا، التي تمثل تراثاً جمالياً لمدينة بغداد، كذلك الشروع بتزيين المدينة بأعمال جدارية جديدة ترتقي إلى الذائقة الجمالية للفن المعاصر، فهي ليست مسؤولية المؤسسات الرسمية الثقافية فقط، إنما أيضاً مسؤولية محافظة بغداد. فمن خلال الادراك الحقيقي بأهمية الفنون ودورها الفاعل في المجتمع والارتقاء بالإنسان وبيئته إلى مستوى عال، وعبر النهوض بالواقع الفني والمعماري والتعليمي والصحي تتكون بنية عراقية ثقافية وتعليمية وصحية متكاملة.